وقرأ على المجاورين بها . وأكثر على أستاذه الشيخ أحمد المنيني ، وبه تدرب وصار طباخا في المدرسة المرقومة .
غير أنه كان يناضل في الانتقاد ، ويساهم في الاعتقاد . ولم يزل في ضنك من العيش ، ولم تخل حركاته من طيش . وحصلت منه هفوة حمله الحمق بسببها على أنه أقرّ بها لدى الشرع . وخشي من إقامة الحدّ عليه . وكان ذلك بإغراء أحد أعيان دمشق . فخرج منها خائفا . وقصد مدينة إسلامبول دار الملك ، واختصّ ببعض أركان الدولة ، وأمن من زمانه تلك الصولة . فجعله في خلوته نديم مرامه ، واختلس برهة التيه ، ونسي ما كان فيه ، ومشى مشية لم يكن ورثها عن أبيه . فما استقام حتى نكص على عقبه لزلّة قدمها ، ففارقها وفي النفس منها ما فيها . وقدم طرابلس الشام وتزوج بها واستقام وحصل له بعض وظائف . ولبث هناك برهة من الأيام .
ثم قصد وكفه الأصلي ، ولم يجعله مقره ولا سكنه . ثم توجه تلقاء مصر ، فأحلّه وإليها ، الوزير الفريد الصدر الوحيد محمد باشا الشهير بالراغب « 1 » ، في أسنى المراتب وامتدحه بقصيدة ، وهي قوله :
هذي مناي بلغتها لأوانها * فالحمد للأفلاك في دورانها
الآن قرّت بالتواصل أعين * طال اغتراب النوم عن أجفانها
كم بتّ في ليل الفراق مردّدا * بيتا يسلّي النفس عن أشجانها
يا ليت شعري هل أراني منشدا * دهما تبذّ الدّهم يوم رهانها
النيل أيتها السفين فليس لي * في فارس أرب ولا أرجانها
فترشّفي من ثغر دمياط المنى * لأظلّ ذاك الشّعب من بوّانها
من فوق حمّاء القرى نوحيّة * تثني بصنعتها على سفّانها
وجناء لا رعي الغضا من همّها * يوما ولا ورد الأضا من شانها
سارت فشقّت من خضارة أزرقا * شق الثكول السود من قمصانها
وتعسّفت أمواج يمّ مترع * كالأيم إذ تنساب من كثبانها
هندية في الماء ألقت نفسها * والهند تلقي النفس في نيرانها
زنجيّة غنّت لها ريح الصّبا * فغدت تجيد الرقص في أردانها
تمشي على الدأماء فعل وليّة * وتطيع جهرا عابدي صلبانها
« 4 »
هامش
( 1 ) قدم مصر سنة 1158 ه وأقام فيها ثلاثين شهرا ، ثم عيّن صدرا أعظم . الجبرتي 1 / 229 .
( 4 ) * سلك الدرر - ج 1 .