وكان هذا القاضيّ « 1 » رحمه الله أحد الأجواد ، حضر « 2 » يوما بين يديه رجل يدّعي على آخر مائة دينار ، ولم تكن له بيّنة ، فتوجّهت اليمين على المدّعى عليه ، فأنكر وأخذ القلم وكتب « 3 » : ( تام المتقارب )
وإنّي لذو حلف فاجر * إذا ما اضطررت وفي الحال ضيق
وهل من جناح على معسر * يدافع باللّه ما لا يطيق
فأمر القاضي بإحضار مائة دينار ، فأحضرت ، فدفعها عنه ، فبلغ ذلك الإمام الراضيّ رضي الله عنه فعجب من أدب الرجل وكرم القاضي ، وبحث عن الناظم فلما وجده أمر له بألف دينار وخمس خلع ومركوب حسن ، وملازمة دار السلطان .
ولمّا « 4 » هلك الإمام الراضي رحمه الله ، قام بعده أخوه المتقي لله إبراهيم بن المقتدر ، وغلبت عليه التّرك ، فلم يبق بيده شيء من الخلافة ، ففرّ إلى بني حمدان ، ثم استألفه التّرك إلى أن عاد فسملوه « 5 » وخلعوه ، وعاش بعد الخلع أربعا وعشرين سنة ، وقدّموا من بعده « 6 » [ الإمام ] المستكفي بالله أبا القاسم ، وكان من أهل الظّرف والأدب . وتغلّب الديلم على بغداد فسمل وحبس وتمادى محبوسا مضيّقا عليه إلى سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة ، وبويع بعده المطيع وهو أبو القاسم الفضل ابن جعفر المقتدر وغلب على الأمر ابن بويه الديلميّ وتحصّل المطيع في يديه ، ثم ساء ما بينهما ، فسمل عينيه ، وتغلبت الدّيالمة على الأمر : معزّ الدولة أحمد بن بويه وأخوه أبو علي وأخوه عماد الدولة .
هامش
( 1 ) يقصد أبا عمر محمد بن يوسف الذي عرّف به في الصفحة السابقة الحاشية 6 .
( 2 ) الخبر في المرقبة العليا 36 .
( 3 ) البيتان في المرقبة العليا 36 .
( 4 ) من رقم الحلل 27 - 29 بتصرف إلى قوله " سبحان من لا يبيد سلطانه ولا ينقضي شأنه ولا ينقطع إحسانه " .
( 5 ) انظر شرحها في الصفحة السابقة الحاشية 2 .
( 6 ) زيادة في ج .