وكان للسلطان محمد بن عبد الله مجلس علميّ يضمّ جماعة من علماء العصر وأئمته ، لا يكاد يفارقه في حله وترحاله ، أغلبهم من الفقهاء والمحدثين ، وأهل التفسير ، وبقية العلوم الدينية ، وما يتصل بها . وكانوا يؤلفون له ويخوضون معه في مناقشة ما « يجمعه ويستخرجه من كتب الحديث التي جلبها من المشرق كمسند الإمام أحمد ومسند أبي حنيفة وغيرهما » كما كان يضمّ مجلسه جماعة من الكتاب والشعراء والأدباء « 1 » ، ويقول عنه الضعيف الرباطي : « 2 » « كان فصيحا بليغا حليما متواضعا . . كريما جوادا عالما بالفقه والسنة والحلال والحرام وفصول الأحكام ، له تآليف كالفتوحات الإلهية وغيرها . . مكرما للصلحاء ، موقّرا للعلماء ، مقرّبا لهم ، لا يستغني عنهم ساعة ، ولا يتحدث إلا معهم . . . محبّا في الطلبة .
وكان كثيرا ما يجلس بعد صلاة الجمعة في مقصورة الجامع بمراكش مع فقهائها ، ومن يحضره من علماء فاس وغيرها ، للمذاكرة في الحديث وتفهمه « 3 » ، ويحصل له بذلك النشاط التامّ ، وكان كثيرا ما يتأسف أثناء ذلك ويقول : والله ضيّعنا عمرنا في البطالة ، ويتحسر على ما فاته من قراءة العلم أيام الشباب « 4 » .
وإذا كان الطابع الغالب على السلطان محمد بن عبد الله هو ميله للحديث وأهله والعلوم الدينية عامة « 5 » ، فإنه لم يهمل الأدب والشعر واللغة ، فإنّنا نجده مثلا في إحدى رحلاته يتذكر خبرا أدبيا ، فيستدعي قاضي عسكره أبا زيد عبد الرحمن بن الكامل وسائر الكتاب ويختبر القاضي في قضية أدبية ويتأسف قائلا لهم : « لم يبق في وقتنا هذا كتّاب ولا أدباء » « 6 » . وقد كان مغرما بكتاب مناهل الصفا للوزير الفشتالي « 7 » ، وهو كتاب في تاريخ الدولة السعدية ، ولكنه يضم
هامش
( 1 ) الاستقصاء 8 / 52
( 2 ) تاريخ الضعيف 164 .
( 3 ) التيارات السياسية 50 نقلا عن الفتوحات الإلهية للسلطان محمد بن عبد الله ص ( لا ) .
( 4 ) الاستقصاء 8 / 54 ، 66 .
( 5 ) النبوغ المغربي 1 / 285 ، 286 - 287 والحياة الأدبية 278 والتيارات السياسية 49 - 50 ، 255 .
( 6 ) الاستقصاء 8 / 56 .
( 7 ) الاستقصاء 8 / 56 ، 67 .