للغزالي قراءة بحث وتحرير .
وكان ينبه على كثير من الأسرار والغوامض فيها ، مع ما يضيفه لذلك من ملح حكايات الأولياء ، ومباحث الحقيقة المستعذبة ونكت أسرارها [ المستعجلة ] أ ، وكثيرا ما كان يتمثل في أثناء ذلك بقوله :
ولمّا أنختها بذي الدّمث واللّوى * وجاوزت أعلام العقيق ورائيا « 1 »
نزلت بواد الجزع والأيك ناعم * غضيض وصادفت النّسيم اليمانيا
وأرض ثراها المسك والنّبت مندل * ورند وكافور وقد كان عاريا
فقلت أرى الوادي خصيبا وماؤه * أرى النّور من ضفّيه يعلوه ضافيا
فقيل سعاد أقبلت بين تربها * فخاضته حتّى صار بالنّور حاليا
ولما بلغت قوله في " المنهاج " : « وقد رأيت بمكة - حرسها اللّه - بعض المشايخ المنفردين من أهل العلم ، وهو لا يحضر المسجد الحرام في الجماعات مع قربه منه وسلامة حاله ، فحاورته في ذلك يوما في حال ترددي إليه ، فذكر من عذره ما أشرنا إليه ، وهو أن ما يجده من الثواب لا يفي بما يلحقه من الإثم والتبعات في الخروج للمسجد ولقاء الناس » .
[ 357 ] قال : خذ بقول هذا الشيخ ، واعتزل الناس وأدخل عنهم ، فقذف في قلبي / أنه ورّى بقرب أجله ، فتمثلت بقول الشاعر وكان ذلك عشية :
تمتّع من شميم عرار نجد * فما بعد العشيّة من عرار « 2 »
فاعتل علة وفاته ، ولم يجلس للإقراء بعدها . وكان لا ينفك أثناء مرضه عن مسألة يدبرها أو حاجة يقضيها ، إلى أن غاب عليه إغماؤه بنحو يوم أو يومين ، فتوفي ليلة الاثنين لتسع بقين من رمضان سنة خمس عشرة وألف .
ومولده - رضي اللّه عنه - بذي قعدة سنة ست وثلاثين وتسعمائة ، فعمره تسع وسبعون سنة إلا شهرا .
أخذ عن العالم العامل الشهير ، فقيه جزولة أبي عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن عمر بن
هامش
( أ ) ك ، ط : المستعجلة .
( 1 ) من الطويل .
( 2 ) من الوافر .