فلما رجع تصدر للتدريس والإقراء ببلدته زمانا ، ثم بقرية عنق الرمال « 1 » ، بلدة من قرى وادي إيسي سنين ، ثم انتقل بأولاده لوادي تمنرت « 2 » ، وتولى الإمامة في مسجد من مساجدها . واجتهد في الإقراء ونشر العلوم سنين عديدة ، فانتفع به خلق كثير من طلبة العلم وغيرهم حتى استنارت بهم بلاد جزولة ، ثم بلي بالقضاء فتولاه جبرا سنة ثمان وعشرين وتسعمائة في ابتداء دولة الشرفاء ، ومكث قاضيا زمانا ، ثم أقيل من ولاية القضاء « 3 » ، ثم رفض الخلق وترك الإقراء لما رأى من فساد نية الطلبة ، وأن قصدهم الحظوظ العاجلة والرياسة الدنيوية .
ولي القضاء جماعة من طلبته وتجرد للعبادة ، واجتهد فيها إلى أن توفي على تلك الحال . وشهر بسيدي محمد الشيخ السني الصوفي ، فصار يسوس الفقراء ويربيهم ويؤدبهم / بالأدلة الشرعية المحضة ، انتهى .
وقال الشيخ البعقيلي فيه : الإمام العالم شيخ الحقيقة وإمام الطريقة ، المتبرك به حيا وميتا ، له قدم راسخة في العلم والعمل ، وقد رأينا أنوار الكرامات والمكاشفات ، نفعنا اللّه به آمين .
وقد حضرت له لما قدم بأصحابه لإصلاح طريق المنجع النازل من ركبة توس « 4 » ببلد بعقيلة ، ونحن صبيان ، وسأل عن رب الملك أن يحول إليه الطريق الصعب على الناس والدواب ، فأذن له ، فحوّله وسهّله ، وترك الأول لوعره ، وهمته - رضي اللّه عنه - إيصال الخير وتعميم النفع للمسلمين ومصالحهم العامة ، من حفر الماء وإظهاره ، وعمل النطفيات ، وبناء القناطر ، وكفى به فضلا وشرفا بناءه قنطرة وادي ألغاس « 5 » ، نفعنا اللّه به .
وحضرت له أيضا لما قدم مع بعض أولاده وأصحابه وفقرائه لحركة البريجة « 6 » بأمر [ السلطان ] أمولانا عبد الله ، راكبا على رمكته ، وقد انحنى عليها من الكبر ، والناس
هامش
( أ ) ساقط من ح .
( 1 ) تعريب لكلمة : أكرض إيملالن ، تقع بأراضي قبيلة إيسي جنوب شرق مركز تافراوت .
( 2 ) أحد روافد وادي درعة ، ينبع من جبل باني الغربي ، مكونا حوضا خصبا تتناثر على هوامشه مجموعة من القصور .
( 3 ) انظر نص رسالة الاستقالة في المعسول : 7 / 33 - 35 .
( 4 ) أفود نتوسا ، أو ذات الأسفل ، تقع بقبيلة إيداو بعقيل .
( 5 ) يطلق على عالية واد ماسة ، وتغذيه ثلاثة روافد صغيرة من مرتفعات الأطلس الصغير ، وهي :
أسيف أيت مزال ، أوليلي ، تازروالت . وما زالت بقايا هذه القنطرة بعالية واد تنكيست .
( 6 ) تم حصارها سنة 969 ه / 1562 م لمدة 64 يوما . ( انظر الاستقصاء : 5 / 42 ) .