ولقيته يوما ، فقال لي : التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود . وقال لي مرة أخرى : ترك شهوة من شهوات النفس أنفع للقلوب من صيام سنة وقيامها ، ولو بأن تقول لها اصبري ساعة إن قالت اسقني . ودخلت المقبرة لزيارة أخيه سيدي علي بن إبراهيم « 1 » سحرا ، فوجدته - رضي اللّه عنه - أمامي عند قبره ، فالتفت إلي فقال :
وكن رجلا رجله في الثّرى * وهامة همّته في الثّريّا « 2 »
وما افترقت الناس إلا في الهمم ، علت رتبته ، ولا يكون أحدا إلا في ما رضيت له همته . وكان - رضي اللّه عنه - يحكي عن أمه [ سيدتنا ] أميمونة « 3 » أن أباه القطب سيدي إبراهيم بن عبد اللّه « 4 » ، كان يقول لها : إن أراد اللّه بعباده خيرا يظهر لهم صاحبنا هذا ، يعني سيدي عبد اللّه بن حسين ، ويقلده سياستهم ، ولو اجتمع ما أعطانا اللّه الثلاثة أمك وأنت وأباك ما بلغ ظفر خنصره ،
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
« 5 » .
ومن كلام سيدي أحمد - رضي اللّه عنه - : أقبح كل قبيح صوفي شحيح ، إذا رأيت المريد يتبع الرخص ، فاعلم أنه لا يجيء منه شيء ، ما رجع من رجع إلا من الطريق ، ولو وصل ما رجع :
لا تعجبن من هالك كيف هلك * بل اعجبن من سالم كيف نجا « 6 »
لا أستريح من مريدي حتى يدخل في الأربعين ، أو أدخله التراب .
وكان - رضي اللّه عنه - يقول : فقير سيدي الغازي « 7 » مضمون له الكفاف ، فمن قتر عليه رزقه فليفتش نفسه ، وليعلم أنه إنما أتى من قبل نفسه ودينه ، ومن رأيتموه كذلك ،
هامش
( أ ) ك ، ن : سيدة .
( 1 ) صوفي زاهد ، وهو شقيق أحمد بن إبراهيم الأنصاري ، أصيب بالعمى في آخر عمره . ( راجع :
الدرر المرصعة : 300 ، فهرسة الناصري ( مواضع متفرقة ) .
( 2 ) من المتقارب ، والبيت من قطعة لأبي الحسن علي بن أحمد البصري المعروف بالنّعيمي ( ت . 423 ه / 1032 م ) . ( انظر هدية العارفين : 1 / 687 ) .
( 3 ) انظر الترجمة رقم : 514 .
( 4 ) ولي زاهد ، أخذ عن أحمد بن علي الحاجي الدرعي ، تولى أمور الزاوية بعد وفاته . ( راجع : الدرر المرصعة : 130 - 131 ، بغية الوعاة : 1 / 416 ) .
( 5 ) الحديد : 21 .
( 6 ) من مقصورة ابن دريد ( ت . 321 ه / 933 م ) ، وهو من الرجز .
( 7 ) انظر الترجمة رقم : 189 .