ووعظ يوما [ فرفع ] أفي كلامه المنادى المضاف ، قال بعض من حضر في نفسه : نعم ، الشيخ ، لو كان معه شيء من النحو ! فالتفت إليه وأعاده بالنصب على الصواب ، فقال : ها أنا ذا نصبته بلا نحو ، فأنشأ يقول :
[ سبقني ] ب لساني وكان يعرب لفظه * فيا ليته في موقف الحشر يسلم « 1 »
فما ينفع الإعراب إن لم يكن تقى * وما ضرّ ذا [ التّقوى ] ج لسان معجّم
وكان يقول : المشتغل بالدنيا كمثل من سرق كبشا من خليج فذبحه ، وجعل يسلخه في الخليج ، ثم فطن به الراعي فجاءه من خلفه ينخسه بشوكة [ السمار ] د ، فكان يزحف عن ثوبه حتى تركه خلفه ، فأخذه الراعي فحصله ، ثم فطن السارق بذهاب ثوبه فقال : في الموضع الذي سرقت منه الكبش تركته ، فذهب إليه فخالفه الراعي إلى الكبش ، فأخذه ومشى ، ثم رجع السارق ووجد الكبش قد ذهب أيضا ، فقال : جنّ هذا البلد كثير ! فسلّ سيفه وسار وحده وهو يقول : النجاة بالرأس ، النجاة بالرأس .
قيل : الخليج : الدنيا ، والكبش : الأسباب ، والناخس : الشيطان ، والثوب : دينه ، ورجوعه لمحل السرقة : توبته ، وذهاب الكبش : تنبيه على أن ما هو بصدده يزول ، وسلّ السيف والسير وحده : استئناف لأمره واحتراس من تلك الآفات .
وقال لمن سأله / معرفة اللّه : ماؤك في رحلك ، وكنزك تحت جدارك ؛ إشارة إلى قوله تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
« 2 » . وكان يقول : نفسي إذا استنطقتها بالعربية تكلمت ، وإذا أمرتها بالمعنى تعجمت . قيل : إشارة إلى العجز عن إدراك حقائق صفاته تعالى ، وإن كان يعبر بالألفاظ العربية .
وكان رضي اللّه عنه يقول : كم من رجل وصل الماء إلى لحيته فمات بالعطش ، فقيل له : كيف هذا ؟ فقال : يحتاج إلى حكيم يحني له رأسه ، فيشرب حتى يرتوي . أي إشارة إلى احتياج [ الغافل ] ه عن معرفة اللّه تعالى إلى من ينبهه إليها في أقرب الأشياء إليه ، وذلك نفسه .
هامش
( أ ) ساقط من ع .
( ب ) في الفوائد الجمة : سيفنى .
( ج ) ت ، ط ، ع : التقى .
( د ) م ، ن : الصنارة .
( ه ) ورد في ك ، ن : الباحت .
( 1 ) من الطويل ، الشطر الأول ساقط الوزن ، والبيتان أنشدهما سيبويه في مرض موته . والأصل في البيت الأول :لساني فصيح معرب في كلامه * فيا ليته من وقفة العرض يسلم( 2 ) الذاريات : 21 .