حواء بنت عبد اللّه « 1 » ، وهي صبية تحكي مشيته ، فالتفت إليها وقال : بارك اللّه فيك ، كذلك تمشين . قالت : فبقي سر التفاته وبركات دعائه في قلبي حتى عقلت ، فأتيته ، قال : أأنت حاكية المشية ؟ فقلت : نعم ! قال : وصلت . فكان لها في الوصول مقام شريف رضي اللّه عنها .
وعن موسى بن شعيب الدمجي « 2 » نزيل مراكش أنه زاره ، فجاءه ومعه الفقراء يخوضون هرجانات ويسقونها ، فقلت في نفسي : تعب عظيم ، ونفع قليل ، وإن عندنا ببلدنا نخلا نفعه كثير ، وما كنا نتعاهده بمثل هذا . فجلست في ناحية منهم ، فجاءني وعلى عاتقه برنوسة ، فسلّم علي وأخذ بيدي ، وقال : عونك يا معين . ثم قال : ترى هؤلاء ؟ واللّه لقد كتبوا من أهل النار في اللوح المحفوظ ، وإنهم إذا عملوا هذا العمل على يد أحمد كتبوا من أهل الجنة الآن كلهم ، والحمد للّه .
وقال المسنّ أحمد بن الحسن المنوزي « 3 » راعيه ، [ الحاكي ] ألكثير من حكمه وكراماته : جاءه شيوخ قبيلة يوما ، فخرج إليهم وقد شرب حسوة فيها ثوم ، فجعل يكلمهم ويبعدون منه . فقال : تفرون مني من رائحة الثوم ، وقد وجدت أنا منكم رائحة المعصية أنتن من جيفة الصيف ، فلم يسعني أن أنفر منكم !
وأكثر أعرابي يوما من تقبيل يده ، فقال له : أن ترفع يدك من الطعام وأنت تشتهيه مأمور به شرعا يا أعرابي . قيل : أمره بالاقتصاد وعدم الإفراط في المحبة ، لأنها قوت القلوب ، كما الطعام قوت البدن ، والغلو في كليهما مذموم ، وهذا من بلاغته وحكمه رضي اللّه عنه .
وقد أمر كاتبا يوما في المسجد ، فقال له : اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فكتبه ، فقال / له : اكتب : إياك ، ثم إياك أن تأوي إلى جبل عقلك فتكون من المغرقين كابن نوح ، وأخذ القرطاس وطواه ، وجعله تحت [ عنقه ] ب ، ولم يسم المكتوب إليه .
وكان يقول لمن ورد عليه من أهل العلم : من يتق اللّه من العلماء فهو عالم ، وإلا فلا .
وكان يقول : اعرف رب الدار ورب البلد ، فإنك إن عرفت بالدار وبالبلد أمنت [ من كلاب الدار ] ج ومن كلاب البلد ، وإذا عرفت الدار والبلد دون رب الدار ورب البلد لم تأمن من الكلاب ، فإما أكلتك أو منعتك الوصول إلى رب الدار ورب البلد .
هامش
( أ ) ن ، م : الراعي .
( ب ) في الفوائد الجمة : قلنسوته .
( ج ) ساقط من ك .
( 1 ) ورد في طرة نسخة ت : إنها ولية صالحة ، دفينة " تيواضو " قرب تيمكلشت ، وتعرف ب " للّاحكة " .
( 2 ) انظر الترجمة رقم : 504 .
( 3 ) تأتي ترجمته عند الرقم : 26 .