رب يوم رأيته بين جرد * تتقفاه وهو يجمز جمز
وكان الأبصار تعلق منه * بحسام يهز في الشمس هزا
وتراه يلاعب العين حتى * تحسب العين أنه يتهزا
وسواء عليه هجر أو اسرى * أو انحط أو تسنم نشزا
وكان المضمار يبرز منه * متن حسي ينز بالماء نزا
استراحت منه الوحوش وقد كان * يراها فلا ترى منه حرزا
كم غزال أنحى عليه وعير * نال منه وكم تصيد فزا
وصروف الزمان تقصد فيما * يستفيد الفتى الأعز الأعزا
فإذا ما وجدت من جزع النكبة * في القلب والجوانح وخزا
فتذكر سوابقا كان ذا الطرف * إليهن حين يمدح يعزى
أين شق وداحس وصبيب * غمزتها حوادث الدهر غمزا
غلن ذا اللمة الجواد ولزت * طربا واللزاز والسلب لزا
ولقد بزت الوجوه ومكتوما * بني أعصر وأعوج بزا
وتصدت للاحق فرمته * وغراب وزهدم فاستفزا
فاحمد الله أن أهون ما ترز * أما كنت أنت فيه المعزى
قد رثينا ولم نقصر وبالغنا * وفي البعض ما كفاه واجزا
ومن العدل أن تثاب أبا عيسى * على قدر ما فعلنا ونجزى
ومن قصيدة أبي القاسم بن أبي العلاء :
عزاء وإن كان المصاب جليلا * وصبرا وإن لم يغن عنك فتيلا
وخفض أبا عيسى عليك ولا تفض * دموعا وإن كان البكاء جميلا
وراجع حجاك الثبت لا يغلب الأسى * أساك وإن حملت منه ثقيلا
ولا تستفزنك الهموم وبرحها * فحلمك قبل اليوم كان أصيلا
وإن نفق الطرف الذي لو بكيته * دما كان في حكم الوفاء قليلا
أقب يروق العين حسنا ومنظرا * ويرجعها يوم الحضار كليلا
إذا ما بدا أبدى لعطفك هزة * ونفسك اعجابا به وقبولا
إذا قلت قف أبصرته الماء جامدا * وان قلت سر ماء أصاب مسيلا
خلت قصبات السبق منه وأيقنت * رياح الصبا أن لا يجدن رسيلا
بكته جلال الخز وانتخبت له * مخالي حرير رحن منه عطولا
أقام عليه آل أعوج ماتما * وأعلى له آل الوجيه عويلا
ففي كل اصطبل أنين وزفرة * تردد فيه بكرة وأصيلا
ولو وفت الجرد الجياد حقوقه * لما رجعت حتى الممات صهيلا
ولو أنصفته الخيل ما ذقن بعده * شعيرا ولا تبنا ومتن غليلا
فقدت أبا عيسى بطرفك مركبا * جليلا وخلا ما علمت نبيلا
عتادك في الجلى وكهفك في الوغى * وعونك يوما إن أردت رحيلا
تفرقتما لا عن تقال وكنتما * لفرط التصابي مالكا وعقيلا
وهبت لعقبان الفلاة لحومه * وكنت به لولا القضاء بخيلا
على أنها الأيام شتى صروفها * تذل عزيزا أو تعز ذليلا
ومن قصيدة أبي الحسن السلامي :
فدى لك بعد رزئك من ينام * ومن يصبو إذا سجع الحمام
الا نفق الجواد فلا عجاج * تقوم به الحروب ولا ضرام
وكان إذا طغت حرب عوان * جرى ورسيله الموت الزؤام
إذا رميت به الغايات صلت * صفوف الخيل وهو لها امام
تمهر في الوقائع فهو مهر * ولا سرج عليه ولا لجام
فلما لم يدع في الأرض قرنا * تخونه فعاجله الحمام
وعود عافيات الطير طعما * وشرب دم إذا حرم المدام
فلما لم يطق نهضا أتته * فقال لها أنا ذاك الطعام
وجاد بنفسه إذ لم يجد ما * يجود به كذا الخيل الكرام
وكنت البدر عارضه كسوف * بنحس حين تم له التمام
فلا تبعد وإن أبعدت عنا * فهذا العيش ليس له انتظام
إذا لم يكشف الا صدا همومي * فليت الخيل أصداء وهام
طوى الحدثان طرفك يا ابن يحيى * فطرفي ما يعاوده المنام
ولم أحضره يوم قضى فيشكو * تحمحمه الذي صنع السقام
ألم أقسم عليك لتخبرني * أمحمول على النعش الهمام
مضوا يتناقلون به خفافا * عليه من الضباع له قيام
فبزوه وما عروة درعا * نبت عنه الصوارم والسهام
أبا عيسى تعز فدتك نفسي * فان الموت قرن لا يضام
أقم في ظل إسماعيل تضمن * لك الدرك السلامة والدوام
وعظت بها أخا ورثيت مالا * وأديت الأمانة والسلام
ومن قصيدة أبي محمد الخازن :
لو سامح الدهر أعصما صدعا * أو كاسرا فوق مربا رقعا
أبقى لنا ذلك الجواد ولم * يغد لصفو الهبات منتزعا
لست أقيل الزمان عثرته * فليس يدري الزمان ما صنعا
آه على ذلك الجواد فقد * جرع قلبي من كاسه جرعا
لم يكب في جريه إذا كبت الخيل * ولا قال راكبوه لعا
إذا هوى فالعقاب منخفضا * وإن رقى فالسحاب مرتفعا
أوجعك الله يا زمان فقد * رحت حزينا بفقده وجعا
كم قلت للنفس وهي مزعجة * أيتها النفس اجملي جزعا
لا تصحب الهم في الجواد أبا * عيسى ودعه ولا تكن جزعا
فنائل الصاحب الجليل أبي * القاسم إسماعيل الحيا همعا
وانظر إليه كأنه قمر * أزهر من ثني دسته طلعا
ولا تضيق بالذي فقدت يدا * ان لنا في نداه متسعا
فاسمع قريضا من موجع جزع * ويرحم الله صاحبا سمعا
ومن قصيدة أبي سعيد الرستمي :
لو أعتب الدهر من يعاتبه * ولان للعاذلين جانبه
أو كان يصغي إلى شكاة شج * صبت على قلبه مصائبه
أحسنت عنك المناب في حرق * تشعلها في الحشى نوائبه
لهفي على ذلك الجواد وهل * يفك رهن المنون نادبه
لهفي على ذلك الجواد مضى * في سفر لا يؤوب غائبه
لو تعرف الخيل من نعيت لها * ضاقت بها في السرى مذاهبه
تباشر الوحش في الفلاة له * فقد صفت بعده مشاربه
تبكي لتقريبه الرياح معا * فهن في جريها أقاربه
عهدي به والجنوب تجنبه * إذا جرى والصبا تجانبه
والهوج في حضره تحاذره * والنكب في سيره تناكبه
يا حسنة والعيون ترمقه * وأنت يوم الرهان راكبه
ترخي عليه العنان في عنق * حتى إذا ما التوى تجاذبه
اصدأ يحكي الظلام غرته * البدر وتحجيله كواكبه
أعيان الشيعة — صفحة 369
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٣٦٩