الشيص ، فحمدت سرى الأماني ، وأجفلت مع القاصي والداني ، حتى أتيت الحلقة ، وزاحمت الرفقة ، وانتظمت في السلك المنضود ، واتصلت بالسبب الممدود ، فإذا شيخ كالشنّ البالي ، والسّراب المتلالي ، جاحظ الحدقة ، قد قوّس الدهر عنقه ، ضخم المناكب والدسيع ، أجلح الرأس خاظي البضيع ، برّاق الثنايا طلّاعها ، صوان القوارير منّاعها ، قطط الشعرات ساقط العبرات ، يلتهب تلهّب الركاب الهيم ، لا يبالي بعصور صوّحته كالهشيم ، وقد على شرفا ، وحاز بوعظه شرفا ، فسمعته يقول أقسم بالفلق والناس ، لقد خمد من الحق النبراس ، وقامت قيامة المساعي ، وعزّ المنصف وفشي الساعي ، ولم يبق إلّا دعوة الداعي ، الموعود ، وقيام الشاهد والمشهود :
أيّها الناس اليققة ثيابهم وقلوبهم داجية والضاحكة ثغورهم ، وملّتهم باكية ، لا أعمّ البرية ، بل أخصّ هذه الوجوه الزريّة ، حكّامكم قبيعيّة ، وهماتكم جوفيّة ، عارية مكسيّة ، عراة من الدين ، تضحك منكم المجانين ، عالمكم صيّاد للدراهم ، فما ابن صيّاد ، وواعظكم منافق على الأعواد ، وأميركم يأخذ الجار بالجار ، ويسلو عن قسي مشايخ المسلمين بالأوتار ، وقاضيكم يرتشي ، وكهلكم بقوة الغفلة منتشي ، صيّرتم المنبر حمار الكذب ، فهو يرتعش مما حمّل ويضطرب ، كأنّ به النافض المؤلمة ، كلّا واللّه به الخراصة المظلمة ، إذا صعده يبكي أو تباكى ، فإذا نزل للمكس شباكا ، لا ترحمون اليتيم ، ولا ترقّون للكليم ، ولا تحضّون على طعام المسكين ، ولا تتكلّفون بأرماق المقوين ، وتأكلون التراث أكلا لمّا ، وتحبّون المال حبّا جمّا :
أشبهتم السمّاك في * لج الأذى المزبد
صغيرها مأكلة * لذي القوى والجلد
أصلحتم يومكم * وما نظرتم في غد
كم فيكم من قانع * مضيّع في البلد
وربّ طفل جايع * مقمّط ممهّد
وذات أصل باذخ * لو زحمت لم تنشد
وربّ شيخ غابر * أرعش واني الجسد
أقريتموه قسوة * نهرا لكم كالجلمد
ما يرتضي فعالكم * باريكم في الأعبد