وكان أستاذ القاضي عبد الرحيم الميساني « 1 » المعروف بالفاضل ، وهو هذّبه وعلّمه ، وكان القاضي جلّ اعتماده عليه في رسائله .
وعن القاضي الفاضل قال : أرسلني والدي وكان قاضيا بثغر عسقلان إلى مصر في أيّام الحافظ فأمرني أن أصير إلى ديوان المكاتبات ، وكان رأسها تلك الأيام ابن الجلال فلمّا مثلت به يديه وعرّفته من أنا رحّب بي ثم قال : ما الذي أعددته لهذا الفنّ من الآلات ؟ فقلت : ليس عندي سوى أنني أحفظ القرآن العظيم وكتاب الحماسة ، فقال : في هذا بلاغ ، ثمّ أمرني بملازمته فلما تدرّبت أمرني أن أحلّ شعر الحماسة فحللته من أوّله إلى آخره ثم أمرني أن أحلّه ثانية فحللته « 2 » ، وأورد لابن الجلال :
أما اللسان فقد أخفى وقد كتما * لو أمكن الجفن كفّ الدمع حين همى
أصبتم بسهام اللحظ مهجته * فهل يلام إذا أجرى الدموع دما ؟
قد صار بالسقم من تعذيبكم علما * ولم يبح بالذي من جوركم علما
فما على صامت أبدى لصدكم * في كلّ جارحة منه السقام فما « 3 »
وله أيضا :
عذبت ليال بالعذيب خوالي * وخلت مواقف بالوصال حوالي
ومضت لذاذات تقضّى ذكرها * تصبي الحليم وتستهيم السّالي
وحلت موردة الخدود فأوثقت * في الصبوة الخالي بحسن الخال
قالوا سراة بني هلال أصلها * صدقوا كذاك البدر فرع هلال « 4 »
ومن شعره أيضا :
وأغنّ سيف لحاظه * يفري الحسام بحدّه
فضح الصوارم واللّدا * ن بقدّه وبقدّه
عجب الورى لما جنن * ت وقد منيت ببعده
وبقاء جسمي ناحلا * يصلى بوقدة صدّه
هامش
( 1 ) في الوفيات : « البيساني » .
( 2 ) تاريخ ابن الأثير 5 / 389 ، وفيات الأعيان 7 / 220 .
( 3 ) وفيات الأعيان 7 / 222 .
( 4 ) وفيات الأعيان 7 / 221 - 222 .