فرمى الرشيد الخوان من بين يديه وقال : هذا واللّه أطيب من كلّ طعام ومن كل شيء ، وأمر له بسبعة آلاف دينار ، فلم يعطني منها ، وشخص إلى رأس العين فأغضبني ، فأنشدت الرشيد قوله [ من المنسرح ] :
شاء من الناس راتع هامل * يعلّلون النفس بالباطل
الأبيات التي مرّ بعضها .
فقال : أراه يحرّض عليّ إبعثوا إليه من يأتي برأسه ، فكلّمه الفضل فلم يغن كلامه ، وتوجه إليه الرسول ، فوافاه في اليوم الذي مات فيه وقد دفن « 1 » .
ولقيه العتابي يوما ، ومنصور مغموم ، فقال له : مالك ؟ قال : امرأتي عسر عليها الطلق وهي القيّمة بأمري ، فقال العتابي : لم لا تكتب على فرجها « هارون الرشيد » فتلد على المقام ، قال : ولم ذلك ؟ قال لقولك فيه :
إن أخلف القطر لم تخلف أنامله * أو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع « 2 »
فقال : يا كشحان واللّه لأبلغنها الرشيد ، ففعل وغضب الرشيد على العتابي مدّة بسبب ذلك .
وقال منصور : كنت واقفا على جسر بغداد أنا وعبيد اللّه بن هشام التغلبي ، وقد وخطني الشيب ، وهو حدث ، فإذا بجارية ظريفة قد وقفت فجعلت أنظر إليها وهي تنظر إلى عبيد اللّه ، فقلت [ من البسيط ] :
لمّا رأيت سوام الشيب منتشرا * في لمّتي وعبيد اللّه لم يشب « 3 »
سللت سهمين من عينيك فانتصلا * على شبيبة ذي الأذيال والطرب
كذا الغواني مراميهن قاصدة * إلى الفروع معدّات من الخشب « 4 »
لا أنت أصبحت تعتدّينني أربا * ولا وعيشك ما أصبحت من أربي « 5 »
هامش
( 1 ) الأغاني 13 / 167 .
( 2 ) الأغاني 3 / 165 ، زهر الآداب 3 / 703 .
( 3 ) السوام : الإبل الراعية ، وعنى به الشيب المتفرق في جوانب الرأس ، واللّمة : الشعر المجاور شحمة الأذن .
( 4 ) القاصدة : المتجهة .
( 5 ) الأرب : الحاجة .