أدبروا ، فذلك كان زمانهم ، وبذلك كان يعمل سلطانهم ، فلما كان من الغد دخلوا .
ودخل سديف ، فأنشد القصيدة الآتية .
وقال ابن عبد ربه أيضا : وكان سبب قتل سديف أنه قال أبياتا ميميّة وكتب بها إلى أبي جعفر وهي [ من الكامل ] :
أسرفت في قتل الرعية ظالما * فاكفف يديك أظلها مهديها
فلتأتينك راية حسنية * جرارة يقتادها حسنيها « 1 »
فأتعبت أبا جعفر ، فلم يزل يتجسس عن قائلها حتى علمه ، وكتب إلى عبد الصمد بن علي ، وكان سديف في حبسه فدفنه حيّا .
وقال أبو الفرج في الأغاني : وكان سديف شاعرا مطبوعا ، وكان شديد التعصّب لبني هاشم مظهرا لذلك في زمن بني أمية ، وهو حجازي مخضرم ، أدرك الدولتين ، وكان يخرج إلى أحجار صفا بظاهر مكة تسمى صفا السباب ، ويخرج مولى لبني أمية يسمى سلبا معه فيتسابّان ويذكران المثالب والمعايب ، ويخرج معهما من سفهاء الفريقين من يتعصّب لهذا ولهذا فلا يبرحون حتى يقع الشجاج والجراح ، ويخرج السلطان إليهم فيفرقهم ويعاقب الجناة ، حتى شاعت عصيّتهم في السفلة والعامة ، وكانوا فريقين سديفية وسلبية طوال أيام بني أمية ، ثم صارت العصبية في أيام بني هاشم بين الحنّاطين والجزّارين « 2 » بمكة .
ومن شعره المختار للخلفاء في غناء المائة الصوت [ من المتقارب ] :
علام هجرت ولم تهجري * ومثلك في الهجر لم يعذر
قطعت حبالك من شادن * أغنّ قطوف الخطا أحور « 3 »
هامش
( 1 ) يشير بحسنيها إلى محمد بن عبد اللّه بن الحسن العلوي صاحب الثورة على المنصور .
العقد الفريد 5 / 88 ، تهذيب ابن عساكر 6 / 68 ، أعيان الشيعة 34 / 4 ، شعر سديف 29 .
( 2 ) في الأغاني 16 / 142 : « الحرّارين » ، أي صنّاع الحرير .
( 3 ) الشادن : ولد الظبية ، والشادن من أولاد الظباء الذي قد قوي وطلع قرناه واستغنى عن أمه ، « اللسان : مادة شدن » . قطوف الخطا : المتقارب الخطو البطيء ، والقطوف من الدواب : البطيء ، والجمع قطف « اللسان : مادة قطف » .
الأغاني 16 / 141 ، شعر سديف 21 .