ذهبت الأمانة ، أم في الجاهليّة ، ولبيد يقول [ من الكامل ] :
ذهب الّذين يعاش في أكنافهم « 1 » * وبقيت في خلف « 2 » كجلد الأجرب
أم قبل ذلك ، وأخو عاد يقول [ من الطويل ] :
بلاد بها كنّا ونحن من أهلها * إذا الناس ناس والبلاد بلاد
أم قبل ذلك وقد يروى عن آدم عليه السّلام [ من الوافر ] :
تغيّرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مسود قبيح
أم قبل ذلك ، وقد قالت الملائكة تقول :
( أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ )
« 3 » .
ما فسد الزمان ، وإنما اطرد القياس ، وما أظلمت الأيام ، وإنّما امتد الاظلام ، وهل يفسد الشيء بعد الإصلاح ، ويمسي المرء إلّا عند الإصباح ؟ » « 4 » .
قلت : معنى قول البديع في رسالته هذه مأخوذ من قول أمير المؤمنين عليه السّلام :
أيها الذامّ للدنيا المغتر بغرورها تذمّها وأنت المجترم عليها أم هي المجترمة عليك « 5 » . . . وهي خطبة طويلة .
وما أحسن قول الشاعر أيام وقوع الفتنة بين أبناء الصحابة من بني أمية وبني الزبير على طلب الملك :
وذمّوا لنا الدنيا وقد ذهبوا بها * فما تركوا فيها سياغا لشارب
وقال في أمالي السمّان ، وعن موسى بن عمران ، وكان أحد العلماء قال :
قدم إعرابي المدينة ، فصلّى الجمعة ، فسمع الخطبة فأعجبه ما سمع ، فلما صلى الإمام وانصرف إلى منزله دخل الإعرابي عليه مع من دخل فأتي بالطعام فرأى من أنواع الطعام ما لم يشبه ما تكلم به ، وأنشأ يقول :
هامش
( 1 ) كنف الرجل ظله وحمايته تقول أنا في كنف فلان تريد موضع رعايته .
( 2 ) الخلف بالسكون - الأعقاب المفسدون قال تعالى « فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات » .
( 3 ) سورة البقرة : آية 30 .
( 4 ) يتيمة الدهر 4 / 270 - 271 ، معجم الأدباء 2 / 200 - 201 ، رسائل بديع الزمان 180 - 181 .
( 5 ) نهج البلاغة قصار الحكم - رقم 131 .