من التّقدمة بتلك العمامة . فقامت الأماني خلفه صفوفا ، واستوعب من المعالي أنواعا وصنوفا . وما زال من حين خروجه ، يتنقّل تنقّل القمر في بروجه . إلى أن صار ثالث القمرين ، وفاز برتبة قضاء العسكرين .
وكان مع ما أعطيه من الرتبة التي لا تنال إلا بالتّمنّي ، والحرمة التي ترمى لنيلها المطايا بالتّغنّي .
لم يبرح يحنّ إلى مواطن إيناسه ، ويرتاح إلى مراتع غزلان صريمه وكناسه .
هذا ، وله الفضل الذي تليت سور أوصافه ، وجليت صور اتّسامه بالتّفوّق واتّصافه .
والتصانيف التي ما جعلت الأقلام ساجدة إلّا لمّا رأت محاريب قرطاسها ، وما سمّيت خرساء إلا قبل أن ينفث في روعها روائع أنفاسها .
وأما الأدب فهو إمامه الذي به يقتدى ، وسابقه الذي بذكره يبتدى .
وله الشّعر الذي اقتبس ألفاظه من ذوات الأطواق ، واختلس معانيه من حنين العشّاق تكابد الأشواق .
يطرب من لم يكن يطرب ، ويكاد لفظه من العذوبة يشرب .
وها أنا أورد منه ما تتباهى به حروف الرّقاع ، ويلذّ في السّمع لذّة الغناء من كل شكل حسن على الإيقاع .
فمنه قوله من قصيدة أولها : [ الكامل ]
هذا الحمى أين الرّفيق المنجد * قد يمّم الخيف الفريق المنجد
بانوا فلا داري بجلّق بعدهم * داري ولا عيشي لديها أرغد « 1 »
وعلى الأكلّة فتية لعبت بهم * راح السّرى والعيس فيهم تسجد
يتهافتون على الرّحال كأنّهم * قضب على كثب النّقا تتأوّد
واها على وادي منى والهفتي * لو لهفتي تجدي وآهي تسعد
كانت عروس الدّهر أيّاما لنا * فيه ثلاث ليتها لي عوّد
عهدي به مغنى الهوى تستامه * عين مسهّدة وقلب مكمد
ما باله بعد الثّلاثة أقفرت * منه معالمه وأقوى المعهد
يا هل لليلات بجمع عودة * أم هل إلى جمع المعرّف موعد
جسمي بأكناف الشّآم مخيّم * وهواي بالرّكب اليماني مصعد
تاللّه هاتيك اللّيالي أسأرت * في مهجتي نارا تقوم وتقعد
هامش
( 1 ) جلق : بكسرتين مشددة اللام : دمشق أو غوطتها ، أو ناحية بالأندلس [ وربما قصد دمشق لأنه منها ] . القاموس المحيط مادة ( جلق ) .