اخترط في مبادئ العمر شوك القتاد « 1 » ، واحتمل المشقات والأنكاد ، من الجوع والعطش والسهر والعري والقمل وسب الناس له وطردهم إياه عن مواطن نومه وهجوعه . وكان ينام في المساجد من غير غطاء ولا وطاء ، أذل من وتد ، وأحقر من نقد . مشغولا بخويصة وجوده في منادماته وشهوده . كان نائبا لبعض قضاة حلب ، فحصلت له الجذبة الإلهية فيها . يقال إنه قطع خصيتيه . وسمعته يقرأ أحيانا بعض عبارات « كافية » ابن حاجب . وكان يسرد أحيانا آيات قرآنية .
ولازم « بيت القهوة » « 2 » . فكان لا يخرج منها ليلا ولا نهارا إلا أحيانا قليلة . لا يتكلم مع الناس إلا القليل من الكلمات ؛ تارة لها انتظام وأخرى بدون انتظام « 3 » . ثم خدمه رجل يقال له الشيخ محمد العجمي « 4 » ، [ و ] « 5 » كان شيخا معلما لبعض الأكابر من أرباب الدول . وكان له صوت حسن وخط حسن . فأجل مقامه ، وأظهر احترامه . فعكف الأكابر عليه وقدمت الأموال إليه .
وشاهد كثير من الناس تصرفه التام باذن العليم العلام . من كراماته ما أخبرنا به صهرنا أحمد جلبي الشيباني ؛ كان عبدا صالحا ، معتقدا
هامش
( 1 ) القتاد : شجر شاك صلب لا تأكله الإبل إلا في عام جدب .
( 2 ) المقهى .
( 3 ) في الأصل : العظام .
( 4 ) هو محمد بن أحمد بن علي بن إبراهيم ، أقضى القضاة ، أبو عبد اللّه العجمي الأصل الحلبي المولد ، الأردبيلي الخرقة ، الحسيني الحنبلي . توفي سنة 926 .
- الكواكب السائرة : 1 / 32 .
( 5 ) إضافة المحقق .