حصل له زهد مفرط ، وفراغ عن الدّنيا ، فسافر وترك الحشمة .
وصحب ابن سبعين ، واشتغل بالطبّ والحكمة ، وقرع باب الصّوفيّة ، وخلط هذا بهذا .
وكان غارقا في الفكر ، عديم اللّذّة ، متواصل الأحزان ، فيه انقباض .
وكان اليهود يشتغلون عليه في كتاب « الدلالة » « 1 » .
ثمّ قال - أعني الذّهبي - : قال شيخنا عماد الدّين الواسطي : قلت له : أريد أن تسلكني . فقال : من أيّ الطّرق : الموسويّة ، أو العيسويّة ، أو المحمّديّة ؟ .
وكان يوضع في يده الجمر ، فيقبض عليه وهو لاه عنه ، فإذا أحرقه رجع إليه حسّه ، فيلقيه .
وقال ابن أبي حجلة : ابن هود شيخ اليهود ، عقدوا له العقود ، على ابنة العنقود ، فأكل معهم وشرب ، ودخل في حجر ضبّ خرب ، فأتوا إليه واشتغلوا عليه ، فانقلب أرضهم ، وأسلم بعضهم .
وكان له في السّلوك مسلك عجيب ، ومذهب غريب ، لا يبالي بما انتحل ، ولا يفرّق بين الملل والنّحل ، فربّما سلّك المسلم على مذهب اليهود ، واليهود على ملّة هود وعاد وثمود ، وربّما أخذته سكتة ، واعترته بهتة فيقيم اليوم واليومين ، شاخص العينين ، لا يفوه بحرف ، ولا يفرّق بين المظروف والظّرف .
قال أبو حيّان : رأيته بمكّة ، وجالسته ، وكان يظهر منه الحضور مع من يكلّمه ، ثم يظهر الغيبة ، وكان يلبس نوعا من الثّياب لم يعهد لبس مثله .
وكان يذكر : أنّه يعرف من علوم الأوائل .
ومن كلامه :
لمّا تجلّى اللّه لذاته بذاته عن ذاته على ذاته فتجسّد ما تجسّد ، فكان الأوّل
هامش
( 1 ) اسم الكتاب « دلالة الحائرين » لموسى بن ميمون اليهودي . قال ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات 4 / 176 : وله كتاب الدلالة في أصول دينهم ، وهو جيد إلى الغاية على قواعدهم .