منّا أنه هالك ؟ قال : كنت مع المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم فجعل يدفع عنه شيئا ويقول :
« إليك عنّي ، إليك عنّي » ولم أر معه أحدا ، فسألته ، فقال : « هذه الدّنيا تمثّلت لي بما فيها ، فزجرتها ، فتنحّت ، وقالت : أما واللّه ، إن انفلت منّي لا ينفلت منّي من بعدك » فخشيت أن تكون لحقتني ؛ فذلك الذي أبكاني .
وكان لا يفارق الجدّ ، ولا يجاوز الحدّ وقد قيل : التّصوف : الجدّ في السّلوك إلى ملك الملوك .
وكان يقدم على المضار لما يؤمّل من المسار ، وقد قيل : التّصوف :
السّكون إلى اللّهيب ، في الحنين إلى الحبيب .
وكان يقدّم الحقير معتاضا للخطير ، وقد قيل : التّصوف : وقف الهمم على مولي النّعم .
أتى المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم بصدقته فأخفاها ، وقال : هذه صدقتي ، وللّه عندي معاد .
وجاء عمر رضي اللّه عنه بصدقته فأفشاها ، وقال : لي عند اللّه معاد ، فقال المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا عمر ، قد وترت قوسك بغير وتر ، ما بين صدقتيكما كما بين كلمتيكما » « 1 » .
وكان في المصافاة صافيا ، وفي الموافاة « 2 » وافيا ، وقد قيل : التّصوّف :
استنقاد الطوق في معاناة الشوق ، وتزجية « 3 » الأمور على تصفية الصّدور .
وكان أحزم النّاس رأيا ، وأعلمهم بتعبير الرّؤيا ، وأكمل الصّحابة عقلا ، وأكثرهم صوابا قولا وفعلا ، وكفاه شرفا وفضلا قول إمام المرسلين : « إنّ اللّه يكره فوق سمائه أن يخطئ أبو بكر الصّدّيق » « 4 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 32 ، والحديث في كنز العمال ( 35666 ) وفيه : قال ابن كثير : إسناده جيد ، ويعد من المرسلات .
( 2 ) في ( أ ) : المواخاة .
( 3 ) في ( أ ) و ( ب ) : ترجئة .
( 4 ) رواه الطبراني في الأوسط 4 / 564 ( 3961 ) عن سهل بن سعد قال الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 46 : وأبو العطوف لم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات ، وفي بعضهم خلاف .