وفي يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان ورد الخبر إلى دمشق بأن الباشا الحافظ أحمد باشا رجع من بلاد شوف ابن معن إلى أرض البقاع العزيزي ، ونزل عند قرية يقال لها قبر عبّاس واختلف الناس في سبب رجوعه ، والذي صحّ منه أنه ذهب بالعسكر الدمشقي والعسكر الروميّ والقرماني وغير ذلك من عساكر فلسطين إلى بلاد الشوف وأمر بحرق كثير من بلادها . فأحرقوا الباروك « 1 » ، وهي قرية في بلاد الشوف عظيمة المقدار .
وأحرقوا غيرها حتّى دبّت النيران في سهلها ووعرها ، ودنت من ساحل بحرها . وجاء إلى الباشا أناس أخبروه بأن قوما من الدروز في واد من الأودية ، وأن عدّتهم قليلة ، وغنيمتهم جليلة . فأرسل الباشا إليهم جماعته [ 55 ب ] وبعضا من عسكر السلطان الرومي ، وأمّر عليهم واحدا يقال له مصطفى ، وكان كبير عسكر دمشق سابقا ، وهو في اصطلاحهم يسمى آغا . فصدر من الفريقين حرب أفضت إلى إظهار الدروز والبغاة الطغاة أعداء الدّين الهرب وولّوا . فأتبعهم عسكر الوزير ومن معهم إلى أن أبعدوهم عن أسبابهم . ورجع العسكر ينهبون فرجعوا إليهم بعد ما ثقلت أحمالهم . فقتلوا من العسكر كثيرا ، بل قيل إنهم ما رجع منهم إلّا القليل .
ثم إنّ حضرة الوزير أرسل حسين باشا ابن يوسف باشا ابن سيفا وكان جمال العسكر ، وبهجة الفرسان ، وعروس الخيل ، فبرز كالأسد الهصور ، وصدم بعسكره الجمهور . وألقى نفسه بين الصفّين ونادى : لا أثر بعد عين ، أنا حسين أنا حسين ، وأمسك سيفه وأقدم وتقدّم ، واجتهد وصمّم ، وضرب بالحسام ، وفلق الهام ، وقال لأسوده ، وأقسم على جنوده : بأنّ من التفت وراءه ضربت أعلاه : وأخذت ما فيه عيناه .
فأقدمت أمامه الأسود المجرّبة ، وضربت بين يديه السيوف المحدّبة . وكان فضله يسوقهم ، وزجره لهم عن التمادي يعوقهم . حتى حميت سوقهم ، وأسرعت إلى
هامش
( 1 ) انظر قاموس لبنان ص 9