الاعتساف . فصار آخر عمره مذموما ، متروكا مصروما . ولقد كان العوام يضربون المثل بردّه الطلاق البائن ، ويعدّون له ذلك من جملة المحاسن . غير أنّه كان غزير العلم ، سريع الفهم ، فصيح العبارة ، جميل الشّارة « 1 » . يتوقّد ذكاؤه ، ويتفجّر سخاؤه . سلّم له فقهاء مذهب أحمد ، ورأوا الانقياد لما يقوله فيه أولى وأحمد . رحل « 2 » إلى مصر فاستفاد بها ما أراد . ورجع منها فائزا من العلوم بالمراد .
كان ابتداء اجتماعي به في المدرسة الحاجبيّة « 3 » بالصالحية المحميّة . وهو إمامها في سنة خمس وسبعين وتسع مائة . ورأيته يقرئ بعض الحنابلة متن « المقنع » إقراء حسنا . وأظهر للحاضرين فصاحة ولسنا . وتقلّبت به الأحوال وأحاطت به الأهوال ، حتى فارق وطنه بالصالحيّة ، وقطن بدمشق طالبا أن يسلم من البريّة .
ولقد اجتمعت به على إثر محنة صدرت له من بعض الأعداء فشكا ، وحكى وبكى . وأنشدني لأبي تمام معدّ أخي « 4 » الملك العزيز ( كذا ) العلويّ الفاطميّ قوله :
أما والذي لا يعلم الأمر غيره * ومن هو بالسر المكتّم أعلم
لئن كان كتمان السرائر مؤلما * لإعلانها عندي أشدّ وآلم
وبي كلّ ما يصبي الحليم أقلّه * وإن كنت منه دائما أتكتّم
وتوفي في ستة بعد الألف في يوم عرفة من السنة المذكورة عن نحو سبعين سنة ، ودفن بصالحيّة الشام رحمه اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) ب ، ه « الإشارة »
( 2 ) ه « دخل »
( 3 ) انظر النعيمي 1 : 501
( 4 ) ه ، م « أخو »