المتخالفين في العقائد بعضهم في بعض ، فلا ينبغي أن يقبل قول مخالف في العقيدة على الإطلاق ، إلا أن يكون ثقة ، وقد روى شيئا مضبوطا عاينه أو حقّقه .
وقولنا : « مضبوطا » احترزنا به عن رواية ما لا ينضبط ، من التّرّهات التي لا يترتّب عليها عند التأمّل والتحقّق شئ .
وقولنا : « عاينه أو حقّقه » ليخرج ما يرويه عن من غلا أو رخّص ترويجا لعقيدته .
وما أحسن اشتراطه العلم ، ومعرفة مدلولات الألفاظ ، فلقد وقع كثيرون « 1 » بجهلهم في جرح « 1 » جماعة بالفلسفة ، ظنّا منهم أن علم الكلام فلسفة ، إلى أمثال ذلك مما يطول عدّه . فقد قيل في أحمد بن صالح ، الذي نحن في ترجمته : إنه يتفلسف . والذي قال هذا لا يعرف الفلسفة . وكذلك قيل في أبى حاتم الرّازىّ ، وإنما كان رجلا متكلّما . وقريب من هذا قول الذهبىّ في المزنىّ : إنه يعرف مضايق المعقول . ولم يكن الذّهبىّ ولا المزنىّ يدريان شيئا من المعقول .
والذي أفتى به ، أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذّهبىّ في ذمّ أشعرىّ ، ولا شكر حنبلىّ . واللّه المستعان .
انتهى كلام ابن السّبكىّ بحروفه .
قلت : أكثر هذه الشروط مفقودة في أكثر المؤرّخين ، وفي غالب التواريخ ، خصوصا تواريخ المتأخّرين ، وقلّما تراها مجتمعة ، حتى إن ابن السّبكىّ نفسه يخالفهم في كثير من المواضع ، ومن تأمّل « طبقاته » حقّ التأمّل ، ووقف على كلامه في حقّ بعض المعاصرين له ، ظهر له صحّة ما ذكرنا ، ونحن نسأل اللّه تعالى أن يوفّقنا للعمل بجميعها ، وأن يعيننا عليه ، ويسامحنا بما طغى به القلم ، وحصل فيه الذّهول ، وكلّ عنه الفكر ، وقصّر في التعبير عنه اللسان ، / بمنّه وكرمه .
هامش
( 1 - 1 ) مكان هذا في طبقات الشافعية : « لجهلهم بهذا . وفي كتب المتقدمين جرح » .