تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
واختط باليمن مدينة على قبلي الجند على أميال منها ، وسماها : المنصورة ، وذلك في سنة اثنتين وتسعين . وكان ملكا شجاعا كريما ، حسن السياسة ، حليما ، محرابا لا يمل الحرب ، وكان إذا تعرض له متظلم وهو في موكبه . . أمسك رأس حصانه ، ولا ينصرف من مكانه حتى يكشف ظلامته . يحكى أن شخصا من أهل وادي سهام عزم من الكدراء إلى صنعاء يشكو إليه من ضامن السوق بالكدراء أخذ منه ثلاثة دراهم بغير موجب ، فكسا الشاكي وزوده ، وأمره بالرجوع إلى بلده وقال له : إذا كان اليوم الفلاني . . فواجهني في السوق فلا تتأخر ، فلما كان يوم ميعاده . . ورد المتظلم السوق ينتظر وصول سيف الإسلام ، فبينا هو واقف في السوق وقد اشتد الزحام . . إذ أقبل سيف الإسلام في قطعة من العسكر إلى الكدراء ، فلما توسط السوق . . استدعى بالوالي والضامن والمشتكي ، فشنق الضامن في السوق ، وصرف الوالي عن تلك الجهة وقال : يظلم مثل هذا عندكم ولا تنصفونه ، وتكلفوه الوصول إلى أبوابنا ؟ ! واللّه لئن أتاني أحد شاكيا . . لأشنقنّ الوالي ، فلم يمد أحد يده إلى ظلم أحد بعدها . وهو الذي قرر قواعد الملك باليمن ، وضرب الضرائب السلطانية ، وقنن القوانين ، ويقال : إنه أول من جار على أهل النخل من وادي زبيد ، حتى هرب طائفة من أهل النخل من أملاكهم ، وكان يوصي العمال بالعدل والرفق في أصحاب الزرع خاصة ، ويوصيهم بالعنف على أصحاب النخل . فلما استوثق له أمر اليمن . . دعته نفسه إلى شراء أراضي اليمن كلها حيث كانت ، وأراد أن تكون أرض اليمن كلها ملكا للديوان ، وكل من أراد حرث شيء منها . . استأجر من الديوان كما هو في ديار مصر ، فندب المثمنين إلى سائر البلاد ، وأمرهم أن يثمنوا البلاد بأسرها ، فشق ذلك على أهل اليمن ، فاجتمع جماعة من الصالحين ، فدخلوا مسجدا وأقاموا فيه ثلاثة أيام يصومون النهار ويقومون الليل ، فلما كان اليوم الثالث أو الرابع . . خرج أحدهم - وأظنه الشيخ دحمل - في وقت السحر إلى صحن المسجد ، ونادى بصوت عال : يا سلطان السماء ؛ اكف المسلمين سلطان الأرض ، فقال له أصحابه : قليلا قليلا ، فقال : قضيت الحاجة وحقّ المعبود ؛ سمعت قارئا يقرأ :
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ،
فلما كان وقت الظهر من ذلك اليوم وهو يوم الأربعاء سادس وعشرين شوال من سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة . . توفي سيف الإسلام ، فبطل ذلك الأمر ، ويقال : إنه لما أحس