مثل الليلة التي عرج بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم فيها على المشهور .
وكان فتحا عظيما شهده من الأولياء والعلماء خلق ، وقصده أهل الخير من البلدان القريبة والبعيدة ، وارتفعت الأصوات بالتسبيح والدعاء ، والتهليل والتكبير ، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه ، وأشر أبّ جماعة من العلماء للخطبة فيه ، وكلهم قد هيأ خطبة تتضمن الفتح ، فورد أمر السلطان صلاح الدين بأن يخطب أبو المعالي محمد بن علي بن محمد القرشي الأموي العثماني ، وهو القائل لما فتح صلاح الدين مدينة حلب في شهر صفر : [ من البسيط ]
وفتحك القلعة الشهباء في صفر * مبشر بفتوح القدس في رجب
فكان كما قال ، فسئل : من أين لك ذلك ؟ فقال : أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى :
ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ،
فخطب خطبة بليغة افتتحها بحوامد القرآن ك ( الفاتحة ) وأول ( الأنعام ) وآخر ( بني إسرائيل ) وأول ( الكهف ) و
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى
وأول ( سبأ ) و ( فاطر ) ونحو ذلك .
ونكس الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما .
وكان استيلاء الفرنج على البيت المقدس في سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة ، فلم يزل بأيديهم حتى استنقذه منهم صلاح الدين في السنة المذكورة .
ثم بعد فتح بيت المقدس قصد صور وضايقها برا وبحرا ، وأحضر آلات القتال ، فأسر الفرنج جماعة من المسلمين فيهم المقدم والرئيس ، فعظم ذلك على صلاح الدين ، وهجم الشتاء ، وتراكمت الأمطار والثلوج ، وامتنع الناس من القتال بسبب الأمطار ، فأشار عليه الأمراء بالرحيل ليستريح الرجال ويتجمعوا للقتال ، فرحلوا عنها بما أمكن من آلات الحصار ، وأحرقوا ما عجزوا عن حمله ، فأخذ في طريقه طرسوس عنوة ، ثم جبلة بالأمان ، ولم يزل يأخذ بلدة بعد بلدة وقلعة بعد قلعة إلى أن بلغ برزيه ، وهو من الحصون المنيعة في غاية القوة ، يضرب بها المثل في بلاد الفرنج ، تحيط بها أودية من جميع جوانبها ، وعلوها خمس مائة ونيف وسبعون ذراعا ، فأخذها عنوة ، ثم كذلك بلدا بعد بلد حتى بلغ أنطاكية ، فراسله أهلها في طلب الصلح ، فصالحهم إلى سبعة أشهر على أن يطلقوا كل أسير عندهم ، فإن جاء من ينصرهم وإلا . . سلموا البلد ، ثم سار فدخل حلب ، فأقام ابنه الظاهر بضيافته ثلاثة أيام ، ثم دخل حماة ، فأضافه ابن أخيه تقي الدين ، فأعطاه جبلة