السنة الخامسة والثلاثون
فيها : سار مالك بن الأشتر في مائتي رجل من أهل الكوفة ، وحكيم بن جبلة في مائة رجل من البصرة ، فنزلوا ذا المروة ، وكنانة بن بشر الكندي وعبد الرحمن بن عديس البلوي ، وكان عمرو بن الحمق الخزاعي وسودان بن حمران التجيبي ومحمد بن أبي بكر في ست مائة رجل من أهل مصر ، فنزلوا ذا خشب ، وأجلبوا على عثمان وحصروه ، واقترحوا عليه عزل واليه بمصر وتولية محمد بن أبي بكر ، فأجابهم إلى ذلك ورجعوا ، فلما كانوا بأثناء الطريق بالقرب من المدينة . . لاح لهم راكب فلزموه وفتشوه ، فوجدوا معه كتابا : من عثمان إلى عامله بمصر أن يثبت على حالته ويقتل محمد بن أبي بكر ، فرجعوا على أعقابهم وحصروه الحصار الثاني ، فأنكر عثمان رضي اللّه عنه صدور ذلك منه وهو الصدوق البر ، يقال : إنما فعل ذلك مروان بن الحكم ؛ لأن خاتم عثمان كان بيده ، فلم يقبلوا منه ذلك ، فحصروه ستة وأربعين يوما .
قلت : وقد تقدم في ترجمته أنهم حصروه تسعة وأربعين يوما - واللّه أعلم - ليخلع نفسه من الخلافة « 1 » .
وقيل : إنهم في حصارهم الأول طلبوا منه ما لهم من العادة التي يأخذها الجند من الولاة ، فأمر من كتب لهم بذلك إلى عامله بمصر ، ففي أثناء الطريق فتحوا الكتاب فوجدوا فيه الأمر بقتلهم ، فرجعوا إليه وقالوا : كيف تأمر بقتلنا ؟ فقال : ما كتب الكتاب إلا غيري ، فقالوا : إن كان خطك . . فقد أمرت بقتلنا ، وإن كان بخط غيرك . . فقد زور عليك وتغلب على أمرك فلا تصلح للخلافة ، وليس ذلك حجة لهم ؛ فإن الأخيار ليسوا معصومين من تزوير الأشرار ، يقال : إن الذي زور عليه مروان ، واللّه أعلم بحقيقة ذلك .
ودخل عليه عبد اللّه بن سلام ، فقال : ما جاء بك ؟ قال : جئت في نصرتك ، قال :
فأخرج إلى الناس فاطردهم عني ؛ فإنك خارج خير لي منك من داخل ، فخرج عبد اللّه بن سلام فقال : يا أيها الناس ؛ إن للّه سيفا مغمودا عنكم ، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيكم ، فاللّه اللّه في هذا الرجل أن تقتلوه ، فو اللّه ؛ إن قتلتموه . . لتطردنّ جيرانكم من الملائكة ، ولتسلّنّ سيف اللّه المغمود عليكم فلا ينغمد إلى يوم القيامة ، فقالوا : اقتلوا اليهودي ، واقتلوا عثمان .
هامش
( 1 ) انظر ( 1 / 300 ) .