عنها في سنة ستّ عشرة وثماني مائة إلى حلب فقطنها بدار القرآن العشائرية للخطيب العلاء بن عشائر حتى مات .
ومن شيوخه في التّصوّف الجلال عبد اللّه البسطامي ومحمد القرمي ، وكذا أخذ عن الشّهاب بن النّاصح في آخرين ، أخذ عنه جماعة منهم صاحبنا البرهان القادري .
وكان عالما زاهدا ورعا متعبّدا بالتّلاوة والمطالعة ، مداوما على الطّهارة الكاملة ، سليم الصّدر ، كريما ، مقصودا بالزّيارة ، ذا مروءة وتودّد ، مع جمال الصّورة ، وحسن الشّمائل .
وللنّاس فيه اعتقاد ، ووجاهته في ناحيته متزايدة ، وأتباعه كثيرون ، بحيث كان له في حلب ونواحيها خمس عشرة « 1 » زاوية . انتهت إليه سيادة البسطاميّة بالمملكة الشّامية ، أخبرني بأكثره وبأزيد منه حفيده ، وكتبه لي بخطّه ، وقال لي : إنّ شيخه أبا ذر قال له : إنّ والده قال له : لازم صحبته تسعد ، فإن نظره ما وقع على أحد إلّا وأفلح ، وما رأيت في عصري نظيره ، وما حصل لي الخير إلّا بصحبته .
قال أبو ذر : وما كان أبي يبدأ في قراءة « البخاري » حتى يستأذنه تبرّكا ، وأوّل سنة قرأت أنا الحديث بجامع حلب عرض لي في صوتي شيء بحيث ما كدت أنطق ، وعجز والدي عن مداواتي إلى أن دخلت عليه يوما أطلب بركته ، فوجدته يأكل كشكا بزيت ، فأمرني بالأكل معه ، فلم تمكّني مخالفته ، فكان الشّفاء فيه ، وأعلمت والدي بذلك ، فقال : أو ما علمت أنّ طعامه شفاء ، واللّه ما أشكّ في كراماته .
ولمّا ورد التّقي الحصني حلب زاره في زاويته ، وقال : ما رأيت مثله ، وكذا قيل : إن شيخنا زاره وتأدّب معه جدا ، والتمس دعاءه ، وقال ابن الشمّاع : طفت بلاد مصر والشّام والحجاز فما وقع بصري على نظيره .
هامش
( 1 ) في الأصل : ( خمسة عشر ) وهو غلط .