وأخذ عن الشيوخ والأقران فمن دونهم ، وأذن له جلّ مشايخه كالبلقيني والعراقي في الإفتاء والتّدريس ، فحدّث ، وصنّف ما يزيد على مائة وخمسين تصنيفا ، ورزق فيها من السّعد والقبول خصوصا « فتح الباري » . وانتشرت تصانيفه في حياته ، وكان مصمّما على عدم دخوله في القضاء ، ثم ألزمه المؤيد ، وتزايد ندمه على القبول ، ولم يلبث / أن صرف ثم أعيد ، ثم صرف في جمادى سنة ( 52 ) وزهد في القضاء زهدا تاما لكثرة ما توالى عليه من الإنكار والمحن بسببه ، وصرّح بأنّه لم يبق في بدنه شعره تقبل اسمه ، ودرّس بأماكن ، وحدّث بأكثر مروياته ، كل ذلك مع شدّة تواضعه وحلمه ، ورضيّ أخلاقه ، وميله لأهل الفضائل ، وإنصافه في البحث ، ورجوعه إلى الحق ، وقد شهد له القدماء بالحفظ والثّقة والأمانة .
وقال كل من التقي الفاسي والبرهان الحلبي : ما رأينا مثله .
ومحاسنه جمّة ، ومن أنا حتى يعرّف بمثله ، خصوصا وقد ترجمه الأعيان ، التقي الفاسي ، والبدر البشتكي ، والتقي المقريزي ، والعلاء ابن خطيب الناصرية ، والشمس بن ناصر الدين ، والتقي ابن قاضي شهبة ، والبرهان الحلبي ، والتقي بن فهد المكي ، وهو نفسه في « رفع الإصر » وتجاسرت فأوردته في « معجمي » و « الوفيات » و « ذيل القضاة » « 1 » بل وأفردت ترجمته حافلة لا تفي ببعض أحواله في مجلد ضخم أو مجلدين ، كتبها الأئمة عني ، وانتشرت نسختها ، سميتها « الجواهر والدّرر » « 2 » .
توفي في أواخر ذي الحجة سنة ( 52 ) ، وشهد / أمير المؤمنين والسّلطان فمن دونه الصّلاة عليه ، وقدم السّلطان الخليفة للصلاة ، ودفن تجاه تربة الدّيلمي بالقرافة ، وتزاحم الأمراء والأكابر على حمل نعشه ، ولم يخلف بعده
هامش
( 1 ) يعني : ذيل رفع الإصر .
( 2 ) « الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر » . طبع منه الأول في مصر كما أسلفنا .