فقال اليزيديّ في الكسائيّ وأصحابه :
كنا نقيس النحو فيما مضى * على لسان العرب الأول
فجاءنا قوم يقيسونه * على لغى أشياخ قطربّل
فكلّهم يعمل في نقض ما * به يصاب الحقّ ما يأتلي
إنّ الكسائيّ وأشياعه * يرقون في النحو إلى أسفل
ثم إنّ اليزيديّ رثى الكسائيّ ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي حنيفة ، وكانا قد خرجا مع الرشيد إلى خراسان ، فماتا في الطريق ، فقال :
تصرّمت الدنيا فليس خلود * وما قد ترى من بهجة سيبيد
لكلّ امرئ منّا من الموت منهل * وليس له إلا عليه ورود
ألم تر شيئا شاملا ينذر البلى * وأنّ الشباب الغضّ ليس يعود
سيأتيك ما أفنى القرون التي خلت * فكن مستعدا فالفناء عتيد
أسيت على قاضي القضاة محمد * فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا * بإيضاحه يوما وأنت فقيد
وأقلقني موت الكسائيّ بعده * وكادت بي الأرض الفضاء تميد
فأذهلني عن كلّ عيش ولذّة * وأرّق عيني والعيون هجود
هما عالمانا أوديا وتخرّما * وما لهما في العالمين نديد
فحزني إن تخطر على القلب خطرة * بذكرهما حتى الممات جديد
قال ياقوت : ولما بلغت هذه الأبيات إلى الرشيد ، قال : يا يزيديّ ، لئن كنت تسيء بالكسائيّ في حياته ، لقد أحسنت بعد موته . وقيل : بل قال له : أحسنت يا بصريّ ، لئن كنت تظلمه في حياته ، لقد أنصفته بعد موته .
قال : وقال أبو العباس ، حدثني سلمة قال : قال الفرّاء : مات الكسائيّ وهو لا يدري حدّ « نعم وبئس » ولا حدّ « أن المفتوحة » ولا حدّ « الحكاية » ، قال : فقلت لسلمة : فكيف لم