كذلك ، ووقع ذلك ثلاث مرات ، فعلمت أنه كان محافظا عليّ ولم يتركني أن أصيح . ثم رأيته في ذلك الأثناء قد وقعت عليه الغيبة والذهول واستولى عليه الاستغراق والاستهلاك ، فعرضت لي حالة ظهر فيها مني ثلاث صيحات متصلة .
ولما قمنا بعد تمام المجلس قال مولانا : يوشك أن تقعدك تلك الصيحات على زاوية ، يعني : تظهر فيك واردات وأحوال تحصل الصحة حين استيلائها بلا اختيار .
فمرضت في تلك الأيام وبلغ الضعف مرتبة لم تبق لي قوة الحركة وجزم الأحباب بموتي في واحدة من الليالي . فصرت أتفكر في هذا الوقت قول مولانا وأقول : إن قوله حق وصدق ولم يظهر لي هذا المعنى إلى الن وأنا في حالة النزع . فغلبني النوم في الحال ، فرأيت مولانا في المنام جاء عندي وقال : بسم اللّه ، حسبي اللّه ، توكلت على اللّه واعتصمت باللّه ، فوّضت أمري إلى اللّه ، ما شاء اللّه ، لا حول ولا قوة إلّا باللّه . فلما استيقظت كانت تلك الكلمات جارية على لساني ، فحصلت لي في الصباح قوة التوضىء والصلاة قاعدا .
وقال : لما أمرني مولانا سعد الدين بالنفي والإثبات قال في أثناء ذلك : ينبغي أن تعتقد أن اللّه سبحانه محيط بالأشياء كلها بالذات ، وهذه الية ، أعني :
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً
( 126 ) [ النساء : الية 126 ] شاهدة لهذا المعنى إن لم يؤولها علماء الظاهر . فوقع عليّ خوف من هذا الكلام فحدس ذلك بالفراسة . وقال : قال علماء الظاهر : إن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء بدليل قوله تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
( 12 ) [ الطلاق : الية 12 ] ينبغي أن يعتقد هذا ، فإنه لا بد من هذا القدر ، فطاب قلبي من هذا الكلام . ولما جئت صحبته في اليوم الثاني قال : يا مولانا علاء الدين لا فائدة في ذلك ، بل ينبغي أن تعتقد أن الإحاطة والمعية بحسب الذات وهذا هو معتقد أهل التحقيق . انتهى كلامه قدّس سرّه .
لا يخفى أن إحاطة الحق بالأشياء ومعيته بها على وجهين على ما حققه بعض كبراء المحققين : ذاتية ، وصفاتية . والذاتية على قسمين ، الأول : معية الذات بجميع ذرات الموجودات من غيركم ولا كيف على سبيل العموم كما قال تعالى :
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً
( 126 ) [ النساء : الية 126 ] . والثاني : معية ذاتية اختصاصية ، وهي خاصة بالمقربين كما قال تعالى :
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
[ التّوبة : الية 40 ] ، وقال تعالى :
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
( 69 ) [ العنكبوت : الية 69 ] .
وأما المعية الصفاتية فهي معية بحسب العلم والقدرة وسائر صفات حضرة الألوهية