مراداتك فلم يسكت إلّا بفراغ الطرس ، أو نفاذ النفس ، فعلمت أن باعي عن مقاومتكم ضئيل ، وطرف شعري بأشعّة جواهركم كليل ، والاعتراف إنصاف ، والاغتراف من بحر مساجلتكم تلاف ، وقد قلت معتذرا :
رأيت صدرك بحرا جلّ جوهره * ولم أجد ببحور الشعر لي سفنا
وعاين العبد من يدنو للّجته * غرقى فعاد لبرّ العجز قد سكنا
وأرسلت ذلك إليه فأعاد الجواب مفيضا له من بحره العباب بقوله :
بعثت يوم الثلاثاء نظمك الحسنا * كخادم كم وكم قلّدته مننا
رآه درّا غنيّا ما أعدّ له * لما يؤمّله إلا الدعا ثمنا
دعا إلى الله ربّ العرش يرفعه * مع ما يضاف إليه من جميل ثنا
ثنا كأنّ شذاه حين ينشقه * مسك فتيت بماء الورد قد عجنا
وطيب ذكر حديث عنك يسنده * عن كل صادق قول ، قال : حدّثنا
وكم روى عنك من وافاك مبتغيا * جدواك من خبر في الجود صحّ لنا
وكم أغثت لهيفا لا مغيث له * وكم أعنت ضعيفا ذدت عنه عنا « 37 »
وكم غرست من المعروف من شجر * جنيت منه بحمد اللّه خير جنا
تقوم مع كل مظلوم ومضطهد * بين الأنام بعزم قطّ ما وهنا
لا زلت في نعم ينهلّ وابلها * في غبطة وسرور دائم وهنا
ما لاح وجه جميل للصباح وما * هبّ النسيم بروض مزهر ورنا
وما شدت ذات طوق قال سامعها * لا شكّ عندي أن الموصلىّ هنا
المملوك « 38 » إبراهيم يقبل الأرض وينهى أن الولد مبارك حضر وعلى يده مثال كريم ، بل عقد نظيم ، بل روض بسيم ، هبّ عليه نسيم ، فتناوله بيمينه ، ووضعه على جبينه ، وتنزّه في رياض بلاغته ، ورأى ذهب أدب عجب من حسن صناعته وصادف وصوله إليه ووروده عليه حين خرج من الحمام وهو محرور إلى الراحة مضرور ، فتعذّر عليه الجواب في تلك الحالة ، مع ما عنده من الفتور والملالة ، ولم يجد إلى النشاط سبيلا ، فلما استراح
هامش
( 37 ) في تونس والسليمانية : زاد .
( 38 ) الكلام هنا لا يزال للمترجم له : إبراهيم بن أحمد الباعوني ، وقد نعت نفسه بالمملوك تواضعا .