وهو حسن المعاشرة ، غزير الحفظ لأيّام العرب وأشعارهم ، كثير المخالطة للموجودين منهم والحفظ لكلامهم ، وكنا كثيرا نتحادى في ذلك ، وحصلت بيننا مودّة ، ثم تأكدت إذ حججت سنة ثمان وأربعين ، وأنشدني البيتين السابقين من نظمه .
وأنشدني أيضا ما قاله وقد فارقنا الحضرة الشريفة النبويّة : فاضل دمشق
صلاة وتسليما وأزكى تحية * على قبر خير الخلق من عبد رقّه
عبيد حقير ، مذنب ، متشفّع * إلى الله بالمختار أكرم خلقه
لزلاته تمحى وستر عيوبه * وفي حفظ أهليه وتوسيع رزقه
وأن يستر المولى عليهم جميعهم * وأن يجعل التوحيد آخر نطقة
وأنشدني - يشتكى جفاء من بعض أقاربه - مواليا ، وفيه لزوم ما لا يلزم :
يا مالك الملك ربّ الأرض والتمكين * أمنن بفضلك على مستضعف مسكين
من معشر عن حسدهم غير منفكّين * لو مكنوا مكّنوا من نحره السكين
وكان الفخر المرشدى أوسع أقاربه رزقا وأحظاهم عند الأكابر ، فكانوا يحسدونه فلا يزالون يؤذونه ، واتّفق أن شارك بعض الأراذل في بستان في الطائف وعجّل له ما يخصّه من المال فلما ذهب إليه وأنا بصحبته وأظهر المنّة عليه بمشاركته فارقه ، وتذكر قول بعض شعراء الحماسة :
نزلت على آل المهلّب شاتيا * غريبا عن الأوطان في زمن محل
فما زال بي إكرامهم وافتقارهم * وألطافهم حتّى حسبتهموا أهلي
فقال الفخر ، [ وقد ] أنشدنيه من لفظه :
رحلت إلى شرك بن درزة صانها * غنيا بمالي عن قراه على فضل
وأوطانه حدى بخوف ملامة * ولم آله نصحا وصبرا على الجهل
فما زال يؤذيني ويمتن صحبتي * ويغمضى حتى لقد خلته أهلي
وإنما قال « ابن درزة » لأن العرب تقول ذلك لإسقاط الناس .