وتبجح الجماعة بذلك . ودعوا له وأثنوا عليه ، وكان من المعتدّين بإتمام ذلك الشاكرين للّه عليه .
فما صنّف في الإسلام قبله مثله ، ولا اتّفق لأحد ما اتفق له ، من قياس طريقته بطريقة المتقدّمين في الأصول والفروع . وأنصف وأقرّ بعلوّ منصبه ، ووفور تعبه ، ونصبه في الدين ، وكثرة سهره في استنباط الغوامض ، وتحقيق المسائل ، وترتيب الدلائل « 1 » .
قال : - يعني أبا الحسن عبد الغافر - : ولقد قرأت فصلا ، ذكره علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزيّ ، في كتاب « دمية القصر » مشتملا على حاله ، وهو معتدّ كان في عصر الشباب ، غير مستكمل ما عهدناه عليه ، من اتّساق الأسباب .
وهو وإن قال « 2 » : فتى الفتيان . ومن أنجب به الفتيان « 3 » ، ولم يخرج مثله المفتيان « 4 » . عنيت النّعمان ابن ثابت ، ومحمد بن إدريس ( فالفقه فقه الشافعي ، والأدب أدب الأصمعي ، وحسن بصره بالوعظ كالحسن البصريّ ، وكيف ما هو ؟ فهو إمام كلّ إمام ، والمستعلي بهمته على كل همام ، والفائز بالظفر على إرغام كلّ ضرغام .
إذا تصدر للفقه فالمزنيّ في مزنته قطرة ، وإذا تكلّم فالأشعري من وفرته شعرة ، وإذا خطب ألجم الفصحاء بألمعيّ شقاشقه الهادرة ، ولثم البلغاء بالصمت حقائقه البادرة .
ولولا سدّه مكان أبيه بسدّه الذي أفرغ على قطره قطر بانيه ، لأصبح مذهب الحديث حديثا ، ولن يجد المستغيث منهم « 5 » مغيثا ) .
قال أبو الحسن : هذا هو وحقّ الحقّ ، فوق ما ذكره وأعلى ممّا وصفه ، فكم من فصل مشتمل على العبارات الفصيحة العالية ، والنكت البديعة النادرة ، في المحافل منه سمعناه .
وكم من مسائل في النظر شهدناه ؟ ورأينا منه إفحام الخصوم وعهدناه ؟ وكم من
هامش
( 1 ) السبكي : طبقات الشافعية 1 / 178 .
( 2 ) انظر : الباخرزي : دمية القصر 2 / 1000 ، ترجمة رقم 73 .
( 3 ) الفتيان : الليل والنهار ( التاج ) .
( 4 ) هما صاحبا المذهبين ، الشافعي والحنفي ، والنعمان بن ثابت : هو إمام الحنفية ، تيميّ بالولاء ، حاول الخليفة العباسي المنصور تعيينه على القضاء في بغداد فلم يقبل فسجنه حتى مات . / الخطيب : تاريخ بغداد : 13 / 323 ، وابن تفري بردي : النجوم الزاهرة 2 / 13 .
( 5 ) هذا النص ما بين القوسين للباخرزيّ ، مكرر عنا لورقة 158 .