والذي نرتضيه رأيا وندين للّه به عقدا ، اتّباع سلف الأمّة ، فالأولى الاتّباع « 1 » وترك الابتداع . والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجّة متّبعة ، وهو مستندّ معظم الشّريفة ، وقد درج صحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، على ترك التّعرّض لمعانيها ، ودرك ما فيها ، وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة « 2 » .
وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملّة ، والتّواصي بحفظها ، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها ، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوّغا ، أو محتوما ، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، فإذا تصرّم عصرهم ، وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل ، كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتّبع ، فحقّ على ذي الدين أن يعتقد تنزّه الباري تعالى عن صفات المحدثين ، ولا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى الرّبّ « 3 » فليجر آية الاستواء والمجيء « 4 » ، وقوله
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
« 5 » ، و
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
« 6 » ، و
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
« 7 » وما صحّ من إخبار الرسول ، كخبر النزول ، وغيره على ما ذكرناه .
وقال محمد بن طاهر الحافظ : سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب بنيسابور ، وكان يسمع معنا الحديث وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي الجوينيّ ، يقرأ عليه الكلام . يقول : سمعت الأستاذ أبا المعالي اليوم يقول « 8 » : يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام ، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به .
وحكى أبو عبد اللّه الحسن بن العباس الرّستميّ ، فقيه أصبهان ، قال : حكى لنا أبو الفتح الطبريّ الفقيه قال : دخلت على أبي المعالي في مرضه فقال : اشهدوا عليّ أن قد
هامش
( 1 ) انظر : الكوثري ص 23 ، والذهبي : سير أعلام النبلاء 18 / 471 .
( 2 ) نفسه ، والذهبي : تاريخ الإسلام ( ترجمة رقم 247 ) ص 235 .
( 3 ) انظر : الذهبي : سير أعلام النبلاء 18 / 472 ، والكوثري : العقيدة النظامية ص 24 ، وتاريخ الإسلام ( ت 247 ) .
( 4 ) الآية :وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّاسورة الفجر : 22 .
( 5 ) سورة ص : 8 ، الآية 75 .
( 6 ) سورة الرحمن : الآية 27 .
( 7 ) سورة القمر ، الآية 14 .
( 8 ) ابن الجوزي : المنتظم 16 / 246 والسبكي : طبقات 3 / 249 - 284 ، 5 / 186 .