وسمعته يقول : كان لرافع الحمّال في الزّهد قدم . وإنّما تفقّه أبو إسحاق الشيرازيّ ، وأبو يعلى بن الفرّاء بمراعاة رافع . وكانوا يتفقّهون ، وكان أو يكون معهما ، ثم يروح يحمل على رأسه ، ويعطيهما ما يتقوّتان به .
قال ابن طاهر « 1 » : وكان هيّاج قد بلغ من زهده أنّه يصوم ثلاثة أيام ، ويواصل ، ولا يفطر إلّا على ماء زمزم . فإذا كان آخر اليوم الثالث ، - من أتاه بشيء أكله ، ولا يسأل عنه .
وكان قد نيّف على الثمانين ، وكان يعتمر كل يوم ثلاث عمر على رجليه ، ويدرس عدّة دروس لأصحابه . وكان يزور قبر عبد اللّه بن عباس بالطائف ، كل سنة مرّة . ويأكل بمكة أكلة ، وبالطائف أخرى .
وكان يزور النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم كل سنة مع أهل مكّة . كان يتوقف إلى يوم الرّحيل ، ثم يخرج ، فأول من أخذ بيده ، كان في مؤنته إلى أن يرجع ، وكان يمشي حافيا من مكة إلى المدينة ، ذاهبا وراجعا « 2 » .
وسمعته يقول وقد شكى إليه بعض أصحابه أنّ نعله سرقت في الطّواف ، فقال : اتّخذ نعلين لا يسرقهما أحد « 3 » .
ورزق الشّهادة في وقعة لأهل السّنّة بمكّة ، وذلك أن بعض الرّوافض شكى إلى أمير مكّة : أن أهل السّنّة ينالون منّا ، ويبغضوننا . فأنفذ وأخذ الشيخ هيّاجا ، وجماعة من أصحابه ، مثل أبي محمد بن الأنماطيّ ، وأبي الفضل بن قوّام ، وغيرهما . وضربهم ، فمات الاثنان في الحال « 4 » .
وحمل هيّاج إلى زاويته ، وبقي أياما ، ومات من ذلك رضي اللّه عنه « 5 » .
هامش
( 1 ) ابن الجوزي : المنتظم 16 / 9 - 2 - 210 .
( 2 ) نفسه 16 / 209 ، الأنساب 4 / 170 ، سير أعلام النبلاء 18 / 394 .
( 3 ) ابن الجوزي : المنتظم 16 / 209 - 210 .
( 4 ) المنتظم 16 / 209 ، 210 ، الأنساب 4 / 170 ، 171 ، مختصر تاريخ دمشق 27 / 165 ، النجوم الزاهرة 5 / 109 وفيه أنه لما مات قال بعض العلماء : لو ظفرت النصارى بهيّاج لما فعلوا به ما فعله به صاحب مكة .
( 5 ) ابن الجوزي : المنتظم 16 / 210 وتوفي هياج سنة 47 ه .