ثم تجرّد ورحل إلى الحجاز ، فجاور بمكّة والمدينة مدّة أعوام ، وأقرأ بالحرمين ، فقرأ عليه خلق كثير ، ومضى إلى بلاد اليمن ، وترك الدّنيا وزينتها ، وأعرض عن زخرفها وزهرتها ، وتخلّى عن الخلق ، وأقبل بقلبه وقالبه على الحقّ حتى توفي بمدينة تعز « 1 » من بلاد اليمن في حادي عشرين شهر ربيع الأول سنة اثنتين / وعشرين وثماني مائة ، ودفن من الغد .
وكان فردا في زمانه ، ونادرة من نوادر أوانه . قد جمع بين العلم والعمل ، ولم يلهه عما يعنيه ما آتاه الله من المال والخول « 2 » ، بل خرج عن أهله وآله فريدا ، وساح في الأرض مملقا وحيدا ، يسكن عشّة بوادي اليمن ، ولا يبالي بما هو فيه من خشونة العيش وبؤس الزّمن ، ويتبلّغ من الزّاد باليسير بعد ما ربّي بغوطة دمشق « 3 » بين أسرّة وحرير ، ونشأ في مساكن تجري من تحتها الأنهار ، وتورف عليها ظلال يانع الأشجار ، بين أتراب حسان ، ذات حسن وإحسان ، وثياب ذات ألوان ، بدّله بتنصّب لإقراء القرآن ، وتبتّل لعبادة الرحمن ، والزّهد
هامش
( 1 ) تعز : قلعة من قلاع اليمن المشهورات ( معجم البلدان 2 / 34 ) . وهي إحدى كبريات مدن اليمن اليوم .
( 2 ) الخول : العبيد والخدم ، والأتباع والحشم اسم جمع ، أو يقال للواحد خائل .
( متن اللغة ) .
( 3 ) غوطة دمشق : قال ياقوت : الغوطة ، من الغائط ، وهو المطمئن من الأرض ، وجمعه غيطان . وأغواط . وقال ابن الأعرابي : الغوطة مجتمع النبات ، وقال ابن شميل :
الغوطة الوهدة في الأرض المطمئنة . والغوطة : هي الكورة التي منها دمشق ، استدارتها ثمانية عشر ميلا يحيط بها جبال عالية جدا ، ومياهها خارجة من تلك الجبال ، وتمدني الغوطة في عدة أنهر فتسقي بساتينها وزروعها ويصب باقيها في أجمة هناك وبحيرة . . . » ( معجم البلدان 4 / 219 ) وانظر عنها إن شئت ( غوطة دمشق ) لمحمد كرد علي .