المائدة للغداء وإذا بالقاضي شهاب الدين أحمد ابن الزّركشي أمين الحكم قد دخل في هيئة من يريد الإقامة ، فما هو إلّا أن استقر بالجلوس إذا بقاضي القضاة قد وثب قائما وليس ثياب ركوبه واستدعى بالبغلة ، فركب عائدا إلى القاهرة ، فشقّ ما فارقناه من المنظر البهيج وفوات العيش الرّقيق والمآكل الشّهية ، وقلت له وأنا مسائره : يا مولانا ، ما هذا الوارد الذي أوجب حركتكم في هذا الوقت بعد عزمكم على المبيت ؟ فقال لي : يا شيخ سالم ، ما يقال إذا قيل : تفرّج القاضي ومعه أمين الحكم ؟ فقلت :
وإذا قيل ذلك ما عسى يكون ؟ فقال : ما يظنّ كل من سمع ذلك ، إلّا أنّه عمل لي ضيافة من عنده . فقلت يا مولانا ، قد عرف الناس نزاهتكم وعفّتكم وحاشى للّه أن يظنّ بكم السّوء ، فقال : لا تقل هذا ، فإني واللّه ما سلكت قطّ مسلك ريبة ولا أسلكه أبدا إن شاء اللّه تعالى ، وتمادى بنا المسير إلى داره بالقاهرة ، وأنعم بما كان قد أعدّه لإقامته على فقراء الرّباط .
476 - سالم بن ياقوت بن عبد اللّه ، تقيّ الدين أبو أحمد ابن نجم الدين أبي الدّر المكيّ الشّافعيّ مؤذّن الحرم وشيخ الفراشين به ، والناظر في أمر بئر زمزم « 1 » .
ولد سنة ثلاث وستين وست مائة ، وسمع على الفخر التّوزري .
حدثني عنه المسند المعمّر أبو عبد اللّه محمد بن سكّر ، وقال : كان حافظا للقرآن الكريم كثير التّلاوة له في اللّيل والنّهار مداوما على ذلك مع جودة الذّهن ، وصفاء الفكر ، وصحّة العقل ، والحفظ ، وحسن التلاوة ، والدّعاء إلى اللّه تعالى وقت السّحر .
أجاز لنا جميع ما يجوز له عنه روايته ، وأخبرني أن مولده سنة ثلاث وستين وست مائة .
هامش
( 1 ) ترجمته في : العقد الثمين 4 / 491 ، وذيل التقييد 2 / 3 ، والدرر الكامنة 2 / 219 .