فأعجز الناس حرّ ضاع من يده * صديق ودّ فلم يردده بالحيل
واستصف خلّك واستخلصه أهون من * تبديل خلّ وكيف الأمن بالبدل
واحمل ثلاث خصال من مظالمه * تحفظه فيها ودع ما شئته وقل
ظلم الدّلال وظلم الغيظ فاعفهما * وظلم هفوته واقسط ولا تمل
وكن مع الخلق ما كانوا لخالقهم * واحذر معاشرة الأوغاد والسّفل
واخش الأذى عند إكرام اللئيم كما * تخشى الأذى إن أهنت الحرّ في حفل
والغدر في النّاس طبع لا تثق بهم * وإن أبيت فخذ في الأمن والوجل
من يقظة بالفتى إظهار غفلته * مع التّحفّظ من غدر ومن ختل
سل التجارب وانظر في مراءتها * فللعواقب فيها أشبه المثل
وخير ما جرّبته النفس ما اتّعظت * عن الوقوع به في العجز والوكل
فاصبر لواحدة تأمن عواقبها * فربما كانت الصّغرى من الأول
ولا يغرّنك من مرقى سهولته * فربما ضقت ذرعا منه في النّزل
وللأمور وللأعمال عاقبة * فاخش الجزا بغتة واحذره عن مهل
ذو العقل يترك ما يهوى لخشيته * من العلاج بمكروه من الخلل
من المروءة ترك المرء شهوته * فانظر لأيّهما آثرت فاحتمل
استحي من ذمّ من إن يدن توسعه * مدحا ومن مدح من إن ينأ يرتذل
شرّ الورى بمساوي الناس مشتغل * مثل الذّباب يراعي موضع العلل
لو كنت كالقدح في التقويم معتدلا * لقالت الناس : هذا غير معتدل
لا يظلم الحرّ إلا من يطاوله * ويظلم النّذل أدنى منه في الصّول
يا ظالما جار فيمن لا نصير له * إلا المهيمن لا تغترّ بالمهل
غدا يموت ويقضي اللّه بينكما * بحكمه الحقّ لا زيغ ولا ميل
وإنّ أولى الورى بالعفو أقدرهم * على العقوبة إن يظفر بذي زلل
حلم الفتى عن سفيه القوم يكثر من * أنصاره ويوقيه من الغيل
والحلم كسب فما طبع يجود به * لقوله خلق الإنسان من عجل
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 424
مساهمون: المقريزي
ص٤٢٤