أجل ذلك ، فإنّه كان يعظّم الصّوفية ويميزهم على غيرهم ، ونهاه عن الوقيعة فيهم فلم ينته ، فهدّده بأخذ ماله ونفيه إلى وطنه ، فلم يرعو ، فهمّ عند ذلك أن يبطش به وبمن معه ، ففرّ إلى مأمن لهم من استجار به أمن ، وكتب إلى النّاصر كتابا أوله قوله تعالى :
ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
( 2 ) [ العنكبوت ] فوقع عليه بخطه : أبى اللّه يا مخذول إلا أن تكون ممّن قال اللّه فيهم
أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ
( 126 ) [ التوبة ] .
وقال معارضا لأبي « 1 » الطّغرائي :
زيادة القول تحكي النّقص في العمل * ومنطق المرء قد يهديه للزّلل
إنّ اللّسان صغير جرمه وله * جرم عظيم كما قد قيل في المثل
فكم ندمت على ما كنت قلت به * وما ندمت على ما لم تكن تقل
وأضيق الأمر أمر لم تجد معه * فتى يعينك أو يهديك للسّبل
عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة * كعفة الخود « 2 » لا تغني عن الرّجل
إنّ المشاور إما صائب غرضا * أو مخطئ غير منسوب إلى الخطل
لا تحقر الرّأي يأتيك الحقير به * ما النّحل وهو ذباب ضائر العسل
ولا يغرّنك ودّ من أخي أمل * حتى تجرّبه في غيبة الأمل
إذا العدوّ أحاجته الإخا علل * عادت عداوته عند انقضا العلل
لا تجزعنّ لخطب ما به حيل * تغني وإلا فلا تعجز عن الحيل
لا شيء أولى بصبر المرء من قدر * لا بدّ منه وخطب غير منتقل
هامش
( 1 ) بيض المصنف بعد هذا ولم يعد إليه ، والطغرائي هو أبو إسماعيل الحسين بن عليّ بن محمد الأصبهاني ، توفي سنة أربع عشرة وخمس مائة قتلا ( وفيات الأعيان 2 / 185 - 190 ، وسير أعلام النبلاء 19 / 454 - 455 ) .
( 2 ) الخود : الفتاة الحسن الخلق الشابة .