كتاب الجوهريّ ، الصحاح في اللغة [ عن محمد بن حمزة بن الغرق ] عن أبي القاسم بن القطّاع . فسمع عليه في دار الوزير ابن الصاحب ، وسمعه عليه أولاد أمير المؤمنين [ الناصر ] « 1 » وخلق كثير ، فشهر الكتاب في بغداد ولم يكن شهيرا ، وكتب به عدّة نسخ وشاع بالموصل .
وحدّث أيضا بكتاب السيرة لابن هشام .
ثمّ إنّه عاد إلى القاهرة وصار في ضنك من العيش ، وغلبه دين كبير وعجز عن نفقته ، إلى أن حبس بالجامع الأزهر على الدين . وكان ينتقص القاضي الفاضل ويراه بالعين الأولى ويحدّث الناس بأنّه كان من أقلّ أتباعه ، والفاضل مقصر عنه ، فيقصر الناس في حقّه مراعاة [ 80 ب ] ورياء للقاضي الفاضل . وكان بعض أصحاب الدين رجلا أعجميّا أحمق كثير الشرّ فصعد إليه بسطح الجامع الأعظم وسفه عليه وقبض على لحيته وضربه ، ففرّ من بين يديه وألقى بنفسه من سطوح الجامع إلى سطوح دكاكين الورّاقين ، وكانت يومئذ بجانب الجامع ، فتهشّم . وحمل إلى داره فبقي أيّاما ومات ليلة السبت ثالث شهر ربيع الآخر سنة ستّ وتسعين وخمسمائة ، ودفن بالقرافة .
فسيّر له القاضي الفاضل خمسة عشر دينارا لتجهيزه بها مع ولده ، ولم يصلّ عليه ولا شيّع جنازته ، فأنكر ذلك عليه . واتّفق أنّ الفاضل مات بعده فجأة بعد ثلاثة أيّام ، وكان هذا أعجب من حال جرير والفرزدق ، فإنّه كان بينهما ستّة أشهر ، وكان بين هذين الرجلين ثلاثة أيّام ، فليعتبر العقلاء بذلك .
وكان الأثير فاضلا جليلا نبيلا عالما أديبا بليغا ، له شعر مليح وترسّل فائق ، وتقدّم في الكتابة ، ونال الرئاسة الخطيرة ، وتمكّن التمكّن الكثير .
وصنّف كتاب تفسير القرآن الكريم ، وكتاب المنظوم والمنثور . وقال أبو عبد اللّه محمد بن سعيد ابن الدبيثيّ عنه : شيخ فاضل جليل نبيل عالم أديب ، كاتب بليغ ، يقول الشعر الجيّد ، وترسّل ، له تقدّم ومكانة عند أهل بلده .
وقال المنذريّ عن أبي الحسن علي المقدسيّ :
سماعه صحيح إلّا أنّه كان يتشيّع .
قال فيه العماد الكاتب : له شعر كالسحر ، ونثر كنظم الدرّ .
ومن شعره يصف مغارة في جبل [ الطويل ] :
وشاهقة خاضت حشا الجوّ مرتقى * تشير إلى زهر الكواكب من عل
محاسنها شتّى ولكن أخصّها * وآثرها ذكرى حبيب ومنزل
جداول تجري باللجين فتارة * تسيح وأجداث تريني موئلي « 2 »
وأنشد هبة اللّه ابن وزير الأثير ابن بنان ارتجالا ، لمّا سمع منه هذا الشعر [ المنسرح ] :
مغارة أغارت النجوم على * علوّها فوق مرتقى زحل
كأنّها في سموّها حسدت * قدر الأثير الأجلّ في الدول
وقال الأسعد شرف الدين أبو المكارم بن المهذّب بن زكريّا بن أبي المليح المماتي ، في الأثير ابن بنان [ الرجز ] :
الشيخ ذو بلاغة * معدودة من حكمه
كأنّما خاطره * على لسان قلمه
هامش
( 1 ) الناصر العبّاسي خلف بغداد من 575 إلى 621 .
( 2 ) قراءة ظنّيّة .