من العمر نحو من سبع وأربعين سنة . فقام مقام [ أبيه ] وأجمع [ أمره ] وأظهر [ من الحزم ] ما لم يسمع بمثله « 1 » .
ولم يرق سريرا ولا ركب دابّة لصيد منذ أفضى إليه الأمر حتى مات .
وصلّى على الجنازة مرّة . وصلّى بالناس صلاة العيد مرّة واحدة لكثرة ما هو فيه .
وذلك أنّه خرج عليه أبو طالوت القرشي بناحية طرابلس ، فظفر به وحملت رأسه إليه « 2 » .
[ 82 أ ] وسيّر جيشا في البحر إلى بلاد الروم فسبى وغنم .
وبعث خادمه زيدان إلى الإسكندريّة فقاتلته عساكر الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد ، وهزمته ، فعاد مفلولا « 3 » .
[ بداية ثورة أبي يزيد ]
وفي سنة ثلاث وثلاثين [ وثلاثمائة ] اشتدّت شوكة أبي يزيد مخلد بن كيداد النكاريّ الخارجيّ بإفريقيّة وكثرت أتباعه وهزم الجيوش .
وكان مذهبه تكفير أهل الملّة واستباحة الأموال والدماء . وكان ابتداء ظهوره من سنة ستّ عشرة « 4 »
وثلاثمائة ، فما زال أمره يتزايد حتى أخذ عدّة مدن في هذه السنة ، وصار يركب حمارا أشهب ويلبس جبّة صوف قصيرة . وكان قبيح الصورة قصير القامة أعرج . فاجتمع أهل المهديّة إلى القائم وقالوا : قد أخذ أبو يزيد الأربس وهو باب إفريقيّة ، ولمّا أخذ من بني الأغلب زالت دولتهم .
فقال لهم : لا بدّ أن يبلغ أبو يزيد إلى المصلّى كما قال المهديّ ، وهو أقصى غايته .
ثمّ إنّه أخرج الجيوش لضبط البلاد وجمع العساكر ، وكانت لأبي يزيد مع جيوش القائم حروب . ونزل على رقّادة في مائة ألف مقاتل ، وملك القيروان وهزم العساكر . فخاف الناس بالمهديّة . وقد امتدّت سرايا أبي يزيد في كلّ ناحية .
فارتحل عامّة الناس من الأرباض بعيالهم إلى المهديّة يريدون التحصّن بها ، فأمر القائم بأمر اللّه حسّان « 5 » البوّاب بمنعهم من دخولها وأن يرجعوا بعيالاتهم إلى مواضعهم وأمره أن يقول لهم عنه : لا خوف عليكم فارجعوا فإنّ هذا زبد يذهب ويديل اللّه من القوم ، فإنّ لكلّ أجل كتابا « 6 » ولكلّ أمر مدّة . فلمّا قال لهم حسّان ذلك ماج الناس ولم يسكن إليه إلّا القليل ، ثمّ عاد بعضهم وسكن بعضهم .
ولمّا وصل أبو يزيد إلى المصلّى قال للقائم جماعة : لو خرج أمير المؤمنين بنفسه ورآه الناس ، لرجونا أن يكشف اللّه هذا الأمر بطلعته المباركة .
وعظّموا الأمر ولم يشكّوا أنّ أبا يزيد قد غلب على الأرباض ، وأنّ المهديّة تحت « 7 » يديه ،
هامش
- 109 عيّن سنة 303 . وانظر خبر أبي يزيد مفصّلا في عيون الأخبار ابتداء من ص 264 .
( 1 ) ما بين مربّعين إضافات يقتضيها السياق تعويضا لما انطمس من نصّ المخطوط .
( 2 ) خبر أبي طالوت في البيان المغرب 209 مؤرّخا بسنة 322 .
وفي العيون والحدائق 339 ، تأخّرت ثورته إلى سنة 328 .
( 3 ) هذه الحملة الجديدة على مصر أرّخها ابن عذاري 1 / 209 ، وصاحب العيون والحدائق 295 بسنة 323 ، وذكرها ابن الأثير في حوادث سنة 322 .
أمّا الداعي إدريس فقد سكت عنها تماما .
( 4 ) يساير المقريزي في هذا التاريخ شيخه ابن خلدون 4 / 41 . أمّا غيرهما من المؤرّخين ، فيختلفون في تحديد بداية الثورة : من سنة 296 ( ابن الأثير ) إلى سنة 332 ( ابن حمّاد ) . والملاحظ أنّ المقريزي نفسه في الاتّعاظ -
( 5 ) البوّاب اسمه حيّان في عيون الأخبار 298 .
( 6 ) تضمين للآية 11 من سورة الأحزاب .
( 7 ) قراءة ظنّيّة ، فالكلمة مطموسة . وعبارة الداعي إدريس تقف عند كلمة الأرباض .