ياقوت أن يقول للخادم : افتح صندوق الآثار وأخرج القصيدة من حقّ العنبر وائت بها .
فلمّا جاءت وضعها الفارقيّ على عينيه وقرئت عليه ، وكان الشفاء . فسمّيت من حينئذ « البردة » ، واشتهرت بديار مصر ، والشام ، والمغرب ، والحجاز ، واليمن ، شهرة لا مزيد عليها . وزادوا في تعظيمها حتى عملوها تميمة تعلّق على الرؤوس ، وزعموا فيها مزاعم كثيرة من أنواع البركة . وهم على ذلك إلى يومنا هذا .
وكان البوصيريّ شيخا مختصر الجسم ، وفيه كرم ، وله شعر فائق . قال فيه فتح الدين محمّد ابن سيّد الناس : هو أحسن شعرا من الجزّار والورّاق « 1 » .
وكان يعاني صناعة الكتابة الديوانيّة ، ويتصرّف في المباشرات ، وباشر في الشرقيّة ببلبيس ، ورمى المباشرين بالأوابد .
ومات في يوم [ . . . ] سنة خمس وتسعين وستّمائة بالمارستان المنصوريّ من القاهرة .
ومن شعره [ الطويل ] :
تجنّب أحاديث الحسود فواجب * تجنّبه فيما يقول ويفعل « 2 »
وكلّ حسود ما عدته ملامة * وكلّ لئيم ما عليه معوّل
متى قال عنّي السوء عندك إنّه * كذاك يقول السوء عنك وينقل
وقال في المركب الذي فوق الإمام الشافعيّ رحمه اللّه عليه [ الطويل ] :
بقبّة قبر الشافعيّ سفينة * رست من بناء محكم فوق جلمود « 3 »
ومذ غاض طوفان العلوم بموته * استوى الفلك من ذاك الضريح على الجودي
وذكره الشهاب أحمد بن فضل اللّه في كتاب مسالك الأبصار « 4 » ، وقال : حكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود رحمه اللّه قال : كان البوصيريّ على غزارة [ 251 أ ] فضله ممقوتا لإطلاق لسانه في الناس بكلّ قبيح ، وذكره لهم بالسوء في مجالس الأمراء والوزراء . ( قال ) :
وكنت أشتهي أن أراه وأتمنّى قدوم مصر للقياه .
فلمّا نقلت إلى مصر في الأيّام الأشرفيّة ، سألت عنه في الطريق قبل دخول البلد ، فقيل لي أنّه مات . وكان قد مرض مرضة طويلة أغمي عليه فيها ، فشيع عليه أنّه مات وطارت هذه الشائعة واستقرّت في كثير من النفوس . ( قال ) : فأسفت على فوات لقائه ، ثمّ لم تمض عليّ إلّا مدّة حتّى طرق عليّ الباب ، فقلت : من أنت ؟
فقال : البوصيريّ .
فشرعت أردّد السؤال لأستثبته إلى أن قال :
كأنّك قيل لك إنّي متّ ؟
فقلت : قد قالوا هذا .
فأنشدني بديها [ الخفيف ] :
عاش [ من ] بعد موته البوصيري * وحياة الكلاب موت الحمير « 5 »
عاش قوم مذ قيل إنّي قد م * تّ فماتوا قبلي بوخز الصدور
هامش
( 1 ) الجزّار : يحيى بن عبد العظيم ( ت 679 ) ، والورّاق : عمر بن محمد بن الحسن ( ت 695 ) وعثمان بن سعيد أب لؤلؤ ( ت 685 ) الآتي ترجم لهم ابن شاكر في الفوات : 4 / 277 و 3 / 140 و 2 / 440 وكانت بينهم مساجلات .
( 2 ) ديوان البوصيري 231 .
( 3 ) الديوان 231 .
( 4 ) مسالك الأبصار 18 / 247 ، والزيادة منها .
( 5 ) الديوان 231 .