قال : لا .
قلت : ما الفرق بينهما ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المأمور فيهما جميعا ؟
( قال ) : فسكت .
ثمّ قال : يا أهل المدينة ، ما أجرأكم على كتاب اللّه عزّ وجلّ !
فقلت : أجرأ منّا على كتاب اللّه من يخالفه .
فقال : اللّه تعالى يقول :
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
[ الطلاق : 2 ] ، فقلتم أنتم : نقضي باليمين مع الشاهد .
فقلت : لكنّا نقول بما قال اللّه ونقضي بما قضى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكنّك أنت خالفت قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
قال : فأين ؟
قلت : في قصّة حويصة ومحيصة وعبد الرحمن حين قال لهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قصّة القتيل : أفتحلفون وتستحقّون دم صاحبكم ؟
- قالوا : لم نشهد ولم نعاين قال : فتخلفه لكم يهود - فلمّا أن نكلوا عن اليمين ، ردّ اليمين على اليهود .
فقال : إنّما كان ذلك استفهام [ ا ] من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، استفهم من اليهود .
فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا بحضرتك يزعم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استفهم من اليهود !
فقال هارون : ثكلتك أمّك يا ابن حسن ! رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يستفهم من اليهود ؟ نطع وسيف !
( قال ) : فلمّا رأيت الحدّ من هارون ، قلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ الخصمين إذا اجتمعا تكلّم كلّ واحد منهما بما لا يعتقده ليقطع به صاحبه . وما أرى محمّدا أراد بهذا نقصا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
فسرّيت عنه ، ثمّ ركبنا وخرجنا من الدار . فقال لي : يا أبا عبد اللّه ، فعلتها !
فقلت : فكيف رأيتها بعد ذلك ؟
[ إيثاره طلب العلم على طلب الشعر والأدب ]
وفي رواية عن الشافعيّ أنّه قال : كنت امرأ أكتب الشعر فآتي البوادي فأسمع منهم ، فقدمت [ 124 ب ] مكّة ، ثمّ خرجت وأنا أتمثّل شعر لبيد ، فجذبني رجل من ورائي من الحجبة « 1 » ، وحشّ قدمي بالسّوط فقال لي : رجل من قريش ، ثمّ من بني المطّلب ، رضي من دنياه ودينه أن يكون معلّما ؟ ما الشعر ؟ يا هذا إذا استحكمت فيه وبلغت الغاية كنت معلّما . تفقّه يرحمك اللّه يعلك ويرفعك وينفعك !
( قال ) : فنفعني اللّه بكلام ذلك الحجبيّ ، فرجعت إلى مكّة فكتبت من ابن عيينة ما شاء اللّه أن أكتب . ثمّ إنّني كنت أجالس مسلم بن خالد الزنجيّ ، ثمّ قدمت على أبي عبد اللّه مالك بن أنس ، فكتبت موطّأه ، ثمّ قلت : يا أبا عبد اللّه ، أقرأ عليك ؟
فقال لي : يا ابن أخي ، تأتي برجل يقرؤه عليّ وتسمع .
فقلت له : أنا أقرؤه عليك .
فسمع إلى قراءتي فقال لي : اقرأ !
فلمّا سمع قراءتي وأصغى إلى كلامي ، أعجبه ذلك ، فلم يزل يقول لي : « اقرأ ! » ، فقرأت عليه كتبه حتّى إذا بلغت كتاب السّير ، قال : الصلاة !
فانتبهت . ثمّ قال لي : يا ابن أخي ، تفقّه تعل !
هامش
( 1 ) حجبة الكعبة وهم بنو طلحة أو بنو عبد الدار . وحشّ قدمه ضربها . وتأتي رواية أخرى للحادثة ص 184 .