تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
فلمّا ضربه ثانيا قال الغلام : ما أمّره ! قال : اصبر كما عصيت . فلمّا ضربه ثالثا قال : الأمان ! الأمان ! فقال عمر : ربّك يعطيك الأمان . فلمّا ضربه رابعا قال : وا غوثاه ! قال عمر : الغوث عند الشدّة . فلمّا ضربه خمسا قال : الحمد للّه . قال عمر : حمد اللّه واجب . فلمّا ضربه عشرا قال : يا أبت قتلتني . قال : ذنبك قتلك . فلمّا ضربه ثلاثين قال : أحرقت قلبي . فقال عمر : النار أشدّ حرّا . فلما ضربه أربعين قال : يا أبت ، دعني أستريح أذهب على وجهي . فقال : يا بنيّ ، إذا أخذت حدّ اللّه منك فاذهب حيث شئت . فلمّا ضربه خمسين قال : نشدتك بالقرآن لما خلّيتني . فقال : بنيّ هلّا وعظك القرآن عن المعاصي ؟ فلما ضربه ستّين قال : يا أبت أغثني ! فقال : إنّ أهل النار إذا استغاثوا لم يغاثوا . فلما ضربه سبعين قال : يا أبت اسقني شربة من ماء . قال : يا بني ، إن كان اللّه يطهّرك فسيسقيك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم شربة لا تظمأ بعدها أبدا . فلمّا ضربه ثمانين قال : يا أبت ، السلام عليك . فقال : يا بنيّ ، إذا لقيت محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم فاقرأه مني السلام وقل له : خلّفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود . فلمّا ضربه تسعين ضعف وانقطع كلامه . فوثب أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : يا أمير المؤمنين ، أخّر ما بقي إلى وقت آخر ! فقال عمر : كما لم تؤخّر المعصية لا تؤخّر العقوبة ! وبلغ أمّ الغلام فجاءت صارخة تقول : يا عمر ، [ 47 ب ] أحجّ بكلّ سوط حجّة ماشية وأتصدّق بكذا وكذا درهما . فقال عمر : الحجّ والصدقة لا ينوبان عن الحدّ . فضربه مائة ، فمات الغلام . فجعل عمر رأسه في حجره وجعل يبكي ويقول : يا من قتله الحقّ ، بأبي من لم يرحمه أبوه ولا أقاربه ! فضجّ الناس بالبكاء والنحيب . وجاء حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه بعد ذلك فقال : يا أمير المؤمنين ، رأيت الغلام في المنام ، وعليه حلّتان خضراوان وهو مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا حذيفة ، اقرأ على عمر منّي السلام ، وقل له : هكذا أمرك ربّك أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود . وقال الغلام : قل لأبي : طهّرك اللّه كما طهّرتني . والوضع على هذا الحديث لائح . وذكر الزبير بن بكّار أنّ عبد الرحمن الأوسط من أولاد عمر كان يكنّى أبا شحمة . وعبد الرحمن هذا كان بمصر ، فخرج غازيا ، واتّفق أنّه شرب نبيذا فسكر ، فجاء إلى عمرو بن العاص فقال : « أقم عليّ الحدّ » فامتنع فقال له : « إنّي أخبر أبي إذا قدمت عليه » . فضربه عمرو الحدّ في داره ولم يخرجه . وبلغ عمر فكتب إلى عمرو يلومه في مراعاته عبد الرحمن ويقول له : ألا فعلت به ما يفعل بجميع المسلمين ؟ فلمّا قدم على عمر ضربه . واتفق أنّه مرض فمات .