فلمّا ضربه ثانيا قال الغلام : ما أمّره !
قال : اصبر كما عصيت .
فلمّا ضربه ثالثا قال : الأمان ! الأمان !
فقال عمر : ربّك يعطيك الأمان .
فلمّا ضربه رابعا قال : وا غوثاه !
قال عمر : الغوث عند الشدّة .
فلمّا ضربه خمسا قال : الحمد للّه .
قال عمر : حمد اللّه واجب .
فلمّا ضربه عشرا قال : يا أبت قتلتني .
قال : ذنبك قتلك .
فلمّا ضربه ثلاثين قال : أحرقت قلبي .
فقال عمر : النار أشدّ حرّا .
فلما ضربه أربعين قال : يا أبت ، دعني أستريح أذهب على وجهي .
فقال : يا بنيّ ، إذا أخذت حدّ اللّه منك فاذهب حيث شئت .
فلمّا ضربه خمسين قال : نشدتك بالقرآن لما خلّيتني .
فقال : بنيّ هلّا وعظك القرآن عن المعاصي ؟
فلما ضربه ستّين قال : يا أبت أغثني !
فقال : إنّ أهل النار إذا استغاثوا لم يغاثوا .
فلما ضربه سبعين قال : يا أبت اسقني شربة من ماء .
قال : يا بني ، إن كان اللّه يطهّرك فسيسقيك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم شربة لا تظمأ بعدها أبدا .
فلمّا ضربه ثمانين قال : يا أبت ، السلام عليك .
فقال : يا بنيّ ، إذا لقيت محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم فاقرأه مني السلام وقل له : خلّفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود .
فلمّا ضربه تسعين ضعف وانقطع كلامه . فوثب أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : يا أمير المؤمنين ، أخّر ما بقي إلى وقت آخر !
فقال عمر : كما لم تؤخّر المعصية لا تؤخّر العقوبة !
وبلغ أمّ الغلام فجاءت صارخة تقول : يا عمر ، [ 47 ب ] أحجّ بكلّ سوط حجّة ماشية وأتصدّق بكذا وكذا درهما .
فقال عمر : الحجّ والصدقة لا ينوبان عن الحدّ .
فضربه مائة ، فمات الغلام . فجعل عمر رأسه في حجره وجعل يبكي ويقول : يا من قتله الحقّ ، بأبي من لم يرحمه أبوه ولا أقاربه !
فضجّ الناس بالبكاء والنحيب .
وجاء حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه بعد ذلك فقال : يا أمير المؤمنين ، رأيت الغلام في المنام ، وعليه حلّتان خضراوان وهو مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا حذيفة ، اقرأ على عمر منّي السلام ، وقل له : هكذا أمرك ربّك أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود . وقال الغلام : قل لأبي :
طهّرك اللّه كما طهّرتني .
والوضع على هذا الحديث لائح .
وذكر الزبير بن بكّار أنّ عبد الرحمن الأوسط من أولاد عمر كان يكنّى أبا شحمة . وعبد الرحمن هذا كان بمصر ، فخرج غازيا ، واتّفق أنّه شرب نبيذا فسكر ، فجاء إلى عمرو بن العاص فقال :
« أقم عليّ الحدّ » فامتنع فقال له : « إنّي أخبر أبي إذا قدمت عليه » . فضربه عمرو الحدّ في داره ولم يخرجه . وبلغ عمر فكتب إلى عمرو يلومه في مراعاته عبد الرحمن ويقول له : ألا فعلت به ما يفعل بجميع المسلمين ؟
فلمّا قدم على عمر ضربه . واتفق أنّه مرض فمات .
المقفى الكبير — صفحة 62
مساهمون: المقريزي
ص٦٢