تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
بالبرّين الشرقيّ والغربيّ ، وكان في هذا الحبس عدّة نواح بالجيزة وضواحي القاهرة ، منها سفط ونهيا والأميريّة وغير ذلك ، وأفرد له النطرون والخراج وما معه من ثمن القرظ ، وساحل السنط « 1 » والمراكب الديوانيّة ، وناحيتي إسنى وطنبذى « 2 » ، فاستخدم العادل في مباشرة ديوان الأسطول صفيّ الدين هذا ، فاشتهر من حينئذ ذكره ، وتخصّص بالملك العادل .

[ إكثاره من المصادرات ]

فلمّا قدّر اللّه تعالى بأنّ الملك العادل ملك ديار مصر في سنة ستّ وتسعين [ 236 ب ] وخمسمائة عظم قدر الصفيّ وولّاه الوزارة بعد الصنيعة ابن النحّال فحلّ عنده محلّ الوزراء الكبار والعلماء المشاورين ، وباشر الوزارة بسطوة وجبروت وتعاظم ، وصادر كتّاب الدولة واستصفى أموالهم ففرّ منه القاضي الأشرف أحمد ابن القاضي الفاضل عبد الرحيم « 3 » بن عليّ إلى بغداد وتشفّع بالخليفة الناصر ، وأحضر كتابه إلى الملك العادل بالشفاعة فيه . وهرب منه أيضا القاضي علم الدين إسماعيل بن أبي الحجّاج متولّي ديوان الجيش والأسعد ابن مماتي « 4 » ناظر الديوان . وصادر بني حمدان وبني الجيّاب وبني الجليس وأكابر الكتّاب من غير أن يعترض عليه السلطان في شيء ممّا يفعله . ومع ذلك كان يكثر من التجنّى والغضب على السلطان فيحتمله ولا يؤخذاه ، إلى أن غضب عليه في سنة خمس وستّمائة ، وكان العادل في رأس عين ، لإنكار أنكره عليه السلطان . وخرج فتبعه الملك المنصور صاحب حماة والأمير مجد الدين جهاركس وداروا عليه في بريد رأس عين حتى وجدوه وأتوا به فعفا عنه ، ومن حينئذ انحطّت منزلته . وكان المنصور كثير العناية به ، وهو أوّل من مشى إليه من الملوك . ثم إنّه حرد [ عليه ] « 1 * » وحلف أنّه لا يباشر فلم تصر له السلطة على ذلك ، وصرفه عن الوزارة يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الأول سنة تسع وستّمائة ، وولّى الوزارة عوضا عنه القاضي الأعزّ مجد الدين مقدام بن أحمد بن شكر . ثمّ أخرج الصفيّ من القاهرة بجميع أمواله وحرمه وغلمانه فخرج ، و [ كان ] نقله على ثلاثين حملا ، وشرع أعداؤه في إغراء السلطان به وزيّنوا له أن يأخذ ماله فلم يوافق على ذلك . وسار إلى آمد فأقام بها عند متملّكها الملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق حتى مات العادل في سنة خمس عشرة وستّمائة .

[ رجوعه إلى الوزارة ]

فاستدعاه الملك الكامل محمد ابن العادل إلى القاهرة ، فقدم عليه مستهلّ ذي القعدة منها وهو في نوبة دمياط على مقابلة الفرنج ، وقد دعته الضرورة إلى ذلك بعد ما كان يعاديه في أيّام أبيه . فخرج إلى لقائه بالمنزلة العادليّة وأكرمه ، وشكا إليه ما دهمه من موت أبيه ومحاربة الفرنج
هامش
( 1 ) القرظ : شجر يدبغ به . وساحل السنط لا ندري هل هو مكان أم هو شجر السنط وهو من الأشواك . ( 2 ) إسنا بالمدّ عادة . وطنبذة عند ياقوت . ( 3 ) أسرة القاضي الفاضل عريقة في الكتابة الديوانيّة والقضاء : أبوه القاضي الأشرف علي بن الحسن كان قاضي بيسان بفلسطين فنسبوا إليها . ثمّ هو : عبد الرحيم بن علي ( ت 596 ) ، ثم ابنه القاضي الأشرف أيضا أحمد بن عبد الرحيم ( ت 643 ) . الوفيات 3 / 158 - الأعلام 4 / 121 . ( 4 ) ابن مماتي : أسعد بن مهذّب بن مينا ( ت 606 ) - له ترجمة في المقفّى : رقم 742 . وانظر الوفيات 1 / 210 . ( 1 * ) حرد عليه ( وزن فرح ) : غضب .
المقفى الكبير — صفحة 329 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي