إلى من بالعراق من المؤمنين [ 322 ب ] والمسلمين ، سلام عليكم .
فلم يقل أحد شيئا . فقال الحجّاج من فوق المنبر : اسكت يا غلام « 1 » ! يا أهل الفرقة ، أيسلّم عليكم أمير المؤمنين ، ثمّ لا تردّون عليه السلام ؟
هذا أدب ابن نهية « 2 » . أما واللّه لأؤدّبنّكم أدبا غير هذا أو لتستيقمنّ على الحقّ ! يا غلام ، اقرأ !
فلمّا بلغ الكاتب إلى « سلام اللّه عليكم » ، قال من في المسجد : وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة اللّه وبركته .
ثمّ نزل الحجّاج عن المنبر ودخل منزله ، وقال لوجوه النّاس : ما كانت الولاة قبل تفعل بالعصاة ؟
فقالوا : كانت تضرب وتحبس .
فقال : ولكن ليس لهم عندي إلّا السيف . إنّ المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون ، ولو ساغت المعصية لأهلها ما قتل عدوّ ، ولا جبي فيء ، ولا عزّ دين .
[ دفعه الناس إلى حرب الخوارج ]
ثمّ جلس لتوجيه الناس ، فقال : قد أمهلتكم ثلاثا . وأقسم باللّه لا يتخلّف أحد بعدها من أهل الثغور إلّا قتلته .
فلمّا كان اليوم الثالث قام عمير بن ضابئ ، فقال : أصلح اللّه الأمير . إنّي شيخ كبير زمن ، وقد خرج اسمي في هذا البعث ، ولي ابن أجلد منّي في الأسفار وأقوى على الحرب ، فإن رأى الأمير أن
يأمر بإشخاصه مكاني ، فعل .
قال : ومن أنت ؟
قال : أنا عمير بن ضابئ .
قال : أو من هذا البعث أنت ؟
قال : نعم .
قال : أو قبضت عطاءك ؟
قال : نعم .
قال : أو سمعت مقالتنا على المنبر ؟
قال : نعم .
قال : أو كان أبوك فيمن قاتل أمير المؤمنين عثمان ؟
قال : لا .
قال : كذبت ! أوليس أبوك الذي يقول « 3 » [ الطويل ] :
هممت ولم أفعل ، وكدت ، وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله !
لعمري إنّ في قتلك أيّها الشيخ لصلاح المصرين ، اضربن يا حرسيّ عنق الشيخ عندك ! فإذا رأيته بين رجليه ، فذلك حيث يقول عبد اللّه بن الزّبير « 4 » الأسديّ [ الطويل ] :
أقول لإبراهيم لمّا لقيته * أرى الأمر أمسى مهلكا متشعّبا
تجهّز فإمّا أن تزور ابن ضابئ * عميرا ، وإمّا أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما * ركوبك حوليّا من الثّلج أشهبا
فما إن أرى الحجّاج يغمد سيفه * مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
5 فأضحى ، ولو كانت خراسان دونه * رآها مكان السوق أو هي أقربا
هامش
( 1 ) حاشية في الهامش : أكفف يا غلام .
( 2 ) حاشية في الهامش : « ابن نهية رجل كان قبل الحجّاج على شرطة الكوفة أو البصرة . وقيل ابن نهية يعني مصعب بن الزبير ، وكانت . . . سليمة ونهية قبيلة من سليم منها تفرّعت قبائلها ، وردّ هذا أنّ أمّ مصعب كلبيّة » ( جمهرة ابن حزم 111 ) . وهي الرباب بنت أنيف الكلبية ؛ تاريخ بغداد ( 13 / 105 ) .
( 3 ) مروج الذهب ج 3 ص 335 ( وفيه مصادر أخرى ) .
( 4 ) انظر ديوان عبد اللّه بن الزبير ص ص 54 - 55 تحقيق يحيى الجبوري بغداد 1974 .