قال : فأين هم من الشيخ ؟
قال : فضله عليهم كفضلهم على الناس .
قال : صدقت ، هم كما وصفت . فأيّ بنيه أفضل وأعظم غناء ؟
قال : ذاك إليه ؟
قال : لا ، بل قل أنت في ذلك ، فإنّي أرى لك عقلا .
قال : هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها .
قال : أخبرني كيف فاتكم قطريّ ؟
قال : كادنا بما كنّا نكيده به .
قال : فهلّا طلبتموه ؟
قال : كان الحدّ أحبّ إلينا من الفلّ .
قال : أجل ، أصبتم ووفّقتم . فكيف رأيت رجال الجند ورآهم ؟
قال : أرضاهم الحقّ ووسعهم النفل . وهم مع رجل يقاتل معهم قتال صعلوك ، ويسوسهم سياسة الملوك ، فلهم منه شفق الوالد ، وله منهم برّ الولد .
فقال الحجّاج : هل كنت هيّأت ما أرى ؟
قال : لا يعلم الغيب إلّا اللّه !
فالتفت الحجّاج إلى عنبسة بن سعيد [ وقال ] :
هذا واللّه الكلام المخلوق ، لا ما يضع الناس ! « 1 »
ثمّ أحسن جائزته ، وردّه إلى المهلّب .
[ دخول المهلّب عليه بالبصرة ]
وكتب المهلّب إلى عبد الملك بالخبر وبهرب قطريّ ، وموت عبد ربّه الكبير وأصحابه ، فكتب
إليه يأمره أن يستخلف على كرمان بعض ولده ويرجع إلى البصرة ، فيقيم بها حتى يأتيه أمره .
فاستخلف المغيرة بن المهلّب ، وخلّف معه أخاه يزيد بن المهلّب ، وقدم البصرة . وبها الحجّاج مقيما ، فلمّا دخل عليه نهض إليه عن سريره وسأله عن حاله وجزاه خيرا . وكان على المهلّب سيف كان الحجّاج بعث به إليه ، وهو السيف الذي كان بعث به محمّد بن يوسف أخو الحجّاج إليه من اليمن ، وهو سيف ذي نواس ، وجد في قبر ورضوى ابنتي ذي نواس ، وكان سيفا قصيرا ، فبعث به الحجّاج إلى المهلّب ، وكان المهلّب قبل ذلك إنّما يتقلّد سيف سعد بن أبي وقّاص . فلمّا بعث إليه الحجّاج بذلك السيف تقلّدهما جميعا .
فلمّا رأى الحجّاج سيفه على المهلّب ، قال : يا أبا سعيد ، ما أجود سيفك هذا لولا قصر فيه !
قال المهلّب : إنّه لا يقصر عمّن يصله بخطوه .
قال : يا أبا سعيد ، ادع لي أهل البلاء من أصحابك على قدر بلائهم .
فبدأ المهلّب ببنيه ، وقال : أما واللّه ، لولا أنّي أراهم مستحقّين ذلك ما بدأت بهم ، ولكنّي أكره أن أظلمهم .
ثمّ دعا بأهل البلاء بعدهم ، فقام رجل من بني عامر بن صعصعة ، فذكر بلاء كان منه ، فصدّقه المهلّب . وقال الرجل : فو اللّه لقد رميت فيهم بعشرين سهما كلّها صيغة ، فما أشويت ، وما أنميت وبكلّها أصميت « 2 » .
هامش
- غير مفهومة ، وفي هامش العقد : فإذا أليلوا ففرسان البيات . وفي المروج 3 / 359 : كانوا أعداء الأبيات حتّى يأمنوا ، ولعلّها القراءة الصالحة .
( 1 ) في العقد 2 / 82 : هذا الكلام المطبوع ، لا الكلام المصنوع .
( 2 ) السهام الصيغة : صاغها صانع واحد أو على منوال واحد .
ورمى الصيد فأصماه ( قتله مكانه ) أو أشواه ( أصابه في الشوى أي الأطراف فلم يمت ) أو أنماه ( أصابه ولكنّه لم يمت بين يديه فلا يحلّ الأكل منه بأنّ قد يكون مات جيفة ) ومنه الحديث : كلّ ما أصميته ودع ما أنميته .