من مبلغ الحجّاج أنّ سميره * قلى كلّ دين غير دين الخوارج ؟
رأى الناس ، إلّا من رأى مثل رأيهم * ملاعين ترّاكين قصد المناهج
فأيّ امرئ ، أيّ أمري يا ابن يوسف * ظفرت به لو نلت علم الولائج ! « 1 »
إذن لرأيت الحقّ منه مخالفا * لرأيك إذ كنت امرءا غير فالج « 2 »
5 فقد كدت لولا اللّه أمزج بالذي * به الحقّ من ديني بمذقة مازج
فأقبلت نحو اللّه باللّه واثقا * وما كربتي غير الإله بفارج
إلى قطريّ في الشراة معائجا * ولست إلى غير الشراة بعائج
إلى عصبة ، أمّا النهار فإنّهم * هم الأسد أسد الحرب عند التهايج
وأمّا إذا ما الليل جنّ فإنّهم * قيام كأنواح النساء النواشج
10 ينادون بالتحكيم للّه إنّهم * رأوا حكم عمرو كالرياح الهوائج
وحكم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا * بحبل شديد الفتل ليس بناهج « 3 »
فطرح الحجّاج الكتاب إلى عنبسة بن سعيد ، وقال : هذا من عند سميرنا الشيبانيّ ، وهو من الخوارج ولا نعلم به !
ثمّ لمّا قتل المهلّب الخوارج ، ومضى قطريّ إلى طبرستان وأتى المهلّب عهده من عبد الملك على خراسان ، بعث الحجّاج سفيان بن الأبرد
الكلبيّ إلى قطريّ في أهل الشام وأهل العراق ، فسار حتّى قدم الريّ ، ثمّ رجع . فلامه الحجّاج ، وكتب إليه يشتمه وقال : ألا كنت أخذته ؟
فقال سفيان : إنّ أبا محمد - يعني الحجّاج - ما يدع المحسن حتّى يسيء .
ومضى إلى [ 326 أ ] قومس وحصر الخوارج ثلاثين شهرا حتّى أكلوا الجيف ، وأخذهم عنوة وبعث برءوسهم إلى الحجّاج . وأجلى المهلّب الأزارقة من كرمان بعد فرار قطريّ ، وبعث بشير بن مالك بن الحرشي - وقيل : مرّة بن تليد الأزديّ - إلى الحجّاج بكتابه ، وكان بشيرا أديبا ، له لسان وبيان .
[ مع مبعوث من فصحاء أصحاب المهلّب ]
فلمّا قدم على الحجّاج برءوس الخوارج ، قال له : ما اسمك ؟
قال : بشير بن مالك .
قال : بشارة وملك إن شاء اللّه . كيف تركت المهلّب ؟
قال : تركته صالحا ، قد نال ما رجا ، وأمن ما خاف .
فقال : للّه الحمد ! كيف كنتم وكيف كان عدوّكم ؟
قال : كنّا إذا لقوا عفونا بعفوهم انتصفنا منهم .
وإذا لقينا حدّهم بحدّنا طمعنا فيهم ، وكانت لهم البداة ولنا العاقبة .
فقال : صدقت ،
إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
[ هود : 49 ] .
ثمّ قال : كيف بنوه ؟
قال : كانوا كفاة السرح حتّى يردّوه ، وأعباء البيات « 4 » حتّى يأمنوه .
هامش
( 1 ) الوليجة بطانة الإنسان وخاصّته .
( 2 ) السهم الفالج : الفائر الغالب .
( 3 ) عمرو هو عمرو بن العاص ، وابن قيس هو أبو موسى الأشعريّ ، والناهج هو المستقيم الواضح .
( 4 ) العقد 2 / 81 ، والسرح : المال السائم ، وأعيان البيات -