تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
إنّه من عباد اللّه المخلصين المنتخبين لما كان منه [ م ] ما شاهدناه . والآن فمن حقّ السياسة أن تقول له عنّي : قد أنكرنا ما كان منك إلى بحنس بن مسيس كاتبنا فيما اخترناه له ، وقد صفحنا لك عمّا كان منك ، فلا تعد بعد هذا إلى معارضة سلطانك في فعله ! فعرّف الغلام بنان ما قال الأمير . فقال بنان : قل له : يا هذا - ولم يقل : أيّها الأمير - لا تعد أنت إلى ما عملت ، فإنّك إن عدت عدنا ، وكان اللّه سبحانه عوننا ، ويده تعالى فوق يدك . فقال له جماعة ممّن حضره : أيّها الأمير [ قد ] شاهدنا من حاله مع السّبع ما فيه كفاية ، ويلزمنا التقرّب من قلبه ومسألته الدعاء لنا . فقال : قد علمت ما علمتم ، وإنّما راسلته بما توجبه السياسة . ( وقال ) : ارجع إليه واقرأ عليه السلام وقل له : اعمل يا شيخ ما شئت ، وانه عمّا أحببت وأمر بما تشاء ، فما يعارضك أحد فيما تختاره وتأمر به من أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، وأنا معاونك على ذلك ومعاضدك عليه رغبة في ثواب اللّه عزّ وجلّ ، وسله الدعاء لنا في وقتنا هذا ولا تخلنا في أوقات خلواتك بين يدي اللّه جلّ ثناؤه من هديّة الدعاء لنا . [ وقال للغلام ] : واصرفه في حفظ اللّه مكرّما وسله إن تكن له حاجة كائنة ما كانت قضيناها . وانصرف بنان لمّا بلّغه الغلام ذلك من غير أن يذكر حاجة . فلمّا خرج قيل له : ما الذي كان في قلبك حيث شمّك السبع ؟ فقال : كنت أتفكّر في اختلاف العلماء في سؤر السّباع . ولمّا طلب الرجّالة أيّام هلال بن بدر أمير مصر أبا زنبور الحسن بن أحمد عامل الخراج ، فرّ منهم ودخل على بنان . فأمره أن يدخل الكنيف . فاقتحم الرجّالة على بنان داره يسألونه عن أبي زنبور ، فقال لهم بنان : أبو زنبور في الكنيف - فظنّوه يهزأ بهم فتركوه وانصرف [ وا ] عنه . فقام إلى أبي زنبور وقال : يا حسن صدقناهم ، وقد يسّر اللّه فأحدث تربة في هذا الموضع الخسيس . فقال أبو زنبور : اللّه اللّه يا أبا الحسن ، دعني من صبرك ، إنّي أقتل ! فقال : لا بأس عليك . وأقام عنده إلى أن تفرّق القوم وهدأ الطلب عنه ، فانصرف [ . . . ] . ولمّا احتضر قيل له : من يصلّي عليك يا أبا الحسن ؟ فقال : من اختار [ ه ] اللّه - ثمّ أغمي عليه فصرخت أمّ أولاده وقالت : واخراب بيتي بعدك ! ففتح عينيه وقال لها : بعده . فكانت آخر كلامه وقضى . فغسّل وكفّن في ملبس صوف عملته له امرأته الريفيّة - [ وقد ] أوصى بذلك - وأخرجت جنازته لصلاة الصبح يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة ستّ عشرة وثلاثمائة . [ 263 ب ] وحضر الأمير تكين . فلولا نزوله من دابّته [ ل ] أنّه يريد [ أن ] يتبع الجنازة ، لما مشى بالنعش من كثرة الخلق . وما فتح بمصر حانوت في ذلك اليوم . فلمّا بلغ المصلّى أقبل الشريف أبو إبراهيم إسماعيل بن أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن القاسم الرسّيّ من الحيّ . فقيل لتكين : هذا أبو إبراهيم - فقدّمه وصلّى عليه . فحدّث أبو إبراهيم أنّه لمّا كان بالحيّ - وهو قرية بين اتفيح ومصر - أخذه ما قرب وما بعد من القلق بأمر الدار والدخول . فقال لغلمانه :
المقفى الكبير — صفحة 286 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي