تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
ولد في سنة اثنتين وستّين وأربعمائة . وولي قضاء الإسكندريّة بعد أبيه في [ . . . ] . وأضيف إليه مشارف الثغر التي تعرف اليوم بنظر الإسكندريّة . فباشر ذلك إلى أن توفّي في ثغر رشيد ، وهو عائد من القاهرة إلى الإسكندريّة في يوم [ . . . ] جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة . ورثي بقصائد كثيرة . وكان قد استولى على سائر أمور الإسكندرية ولم يبق لأحد معه فيها كلام . وضمنها للدولة بجملة أموال في كلّ سنة . وكان ذا مروءة عظيمة ، يحذو في أفعاله ما نقل عن البرامكة . وقد مدحه ظافر الحدّاد وأميّة بن [ عبد العزيز بن ] أبي الصلت وجماعة من الشعراء بعدّة مدائح . وكان الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش ، إذا اعتنى بأحد ، كتب معه إلى ابن حديد هذا ، فيبالغ في الإفضال عليه حتى يبلغ منه فوق ما يؤمّله . وكان له بستان بظاهر الثغر يتفرّج فيه ، وله به جرن كبير من رخام قطعة واحدة ، ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره وسعته . وكان يجد في نفسه برودة هذا الجرن زيادة ترف على من سواه من أهل عصره ، ويسامي بذلك الأكابر . فوشي به إلى الغالية البدويّة محبوبة الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ المنصور ، فطلبته من الآمر ، فأنفذ إليه بإحضار الجرن . فلم يسعه إلّا أن قلعه من مكانه وحمله إلى مصر . فعمله الآمر في الهودج الذي بناه للبدويّة « 1 » في الجزيرة التي تعرف بالروضة تجاه مدينة مصر . فبقي في قلب المكين حزازة لأخذ هذا الجرن ، ورأى أن قد أتّضع بذلك . فبذل جهده في خدمة الغالية وجميع من يلوذ بها حتى قالت ، لعظم ما حمله إليها هذا الرجل : قد أخجلنا بكثرة هداياه وتحفه ، ولم يكلّفنا قطّ أمرا نقدر عليه عند [ 109 أ ] الخليفة مولانا . فقال ، لمّا بلغه عنها ذلك : ما لي حاجة بعد الدعاء للّه بحفظ مكانها وطول حياتها ، غير ردّ الجرن الذي قلع من داري التي بنيتها في أيّامهم من نعمتهم ، إلى موضعه . فعجبت الغالية من ذلك وردّته عليه فأعاده كما كان . وأخذ خواصّه في لومه وقالوا له : قد حصلت في حدّ أن خيّرتك الغالية البدويّة في سائر المطالب ، فنزلت همّتك إلى قطعة حجر . فقال : أنا أعرف بنفسي : ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه ، وقد بلّغها اللّه أملها . ولمّا ولي المؤتمن سلطان الملوك حيدرة بن فاتك ، أخو الوزير الأجلّ المأمون عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحيّ الإسكندريّة ، وصف له الطيب - وقد نزل بظاهرها - دهن شمع بحضور القاضي مكين الدولة . فللوقت أمر بعض غلمانه أن يحضر من داره الدهن المذكور ، فلم يكن فيه مسافة الطريق حتى جاء ومعه صرّ مختوم . ففكّ عنه ، فإذا فيه منديل لطيف مذهب على مداف « 2 » بلّور ، فيه ثلاثة بيوت ، كلّ بيت عليه قبّة ذهب مشبّكة مرصّعة بياقوت وجوهر : ففي بيت منها دهن شمع بمسك ، وفي بيت دهن شمع بكافور ، وفي بيت دهن شمع بغير طيب . وليس شيء من ذلك ممّا صنع لوقته ، بل يشهد
هامش
( 1 ) انظر خبر البدويّة مع الأمر - ومع ابن عمّها ابن ميّاح - في الخطط 3 / 295 . ففيها تفاصيل لخبر الجرن ، أي البركة الرخاميّة . ( 2 ) المداف : حقّة من بلّور تتّخذ وعاء للعطور ( دوزي ) .
المقفى الكبير — صفحة 308 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي