حنيني إلى تلك المعاهد أنها * معاهد أحبابي تذكرتها حبا
ويتأوه حزنا عليه ، ويكثر من تذكار الأوبة إليه . فلولا أن هدر الملوك بنو عمي بوطني دمي ، لسرت إليه على رأسي لا على قدمي !
على أن مثلي لا تنهنهه الزواجر ، ولا تصده عن مطلبه السيوف والخناجر ؛ بل يقتحم من مراده الأهوال ، ويعمل بقول الشاعر في كل الأحوال :
أزور ولو أن السيوف شواهر * وأدنو ولو أن الجحيم مزارها
إذ كنت من بيت الملك الرفيع السعيد ، ومن أحفاد السلطان الرئيس الأمير أبي سعيد . وقصدي في هذا الكتاب عند ذكر الملوك والأمراء والكبراء وغيرهم من سائر الشعراء أن أغضي عما آخذه لهم من القبائح ، وأذكر ما امتازوا به من الفضائل والمنائح ؛ لأن مثلي لا يليق به إظهار العورات ، ولا يحل له تتبع العثرات . غيرة على أعراض الموحدين « 1 » ، [ اتباعا للشرع في تحريم الغيبة ، وضربا عن الكريبة ، وإثباتا لحظوظ النقيبة الرغيبة « 3 » .
تركت مثاليب الرجال لأنني * أفضل أن ألقى بفضلي للناس « 2 » ]
وأرجو بذاك الستر يوم فضيحة * إذا جل خطب في القيامة بالناس
مع أنه ليس في كشف عورات الناس مسرّة . وربما نال ما أثبت « 4 » ذلك بوسى ومضرة . فما ضره لو اشتغل بذنوبه ، وتأسف على ما فرط من حوبه ، وستر العيوب وكف الباس ، وقال كما قال ابن طاهر عامل آل عباس :
وما السر من قلبي كثاو بحفرة * لأني أرى المدفون ينتظر الحشرا
ولكنني أخفيه حتى كأنه * من الدهر يوما ما أحطت به خبرا
هامش
( 1 ) سقطت جملة ، لم تستبن في الأصلين .
( 2 ) ما بين معقوفتين من نسخة ط . وقد استجليت بعض الكلمات من ترجمة لسان الدين بن الخطيب في نثير الفرائد 223 - 224 ، فقد كرر هناك هذه الفقرة بمناسبة ترجمته له إدلالا بذكر محاسنه دون مساوئه . ( راجع الترجمة ) .
( 3 ) الكريبة : الداهية الشديدة . والنقيبة ، النفس والطبيعة .
( 4 ) كذا فيهما .