سيّدي ، الحاجب - سلّمه اللّه - مطلق ، لا هوجل « 1 » معه ! وأنا بالهوجل الذي معي ، يعقلني ويمنعني من الأعماق في الصهريج ! يريد بمقالته أنثييه وأنّ جعفرا مجبوب .
فاستفرغ الحكم ضحكا من نادرته ، ولطف تعريضه فخجل الحاجب من قوله ، وسبّه سبّ الأشراف . وخرجا عن الماء . فأمر لهما الخليفة - رحمه اللّه - بكسوة تشاكل كلّا منهما ، ووصلهما بصلة سنيّة .
قال الحسن بن محمد في كتابه « 2 » : وذكر أنّ الخليفة الحكم قال لقاضيه منذر يوما ، في بعض ما جاوبه : « بلغني أنك لا تجتهد للأيتام ، وأنك تقدّم عليهم « 3 » أوصياء سوء ، يأكلون أموالهم » قال « 4 » : « نعم ! وإن أمكنهم نيك أمّهاتهم ، لم يعفّوا عنهنّ » فقال له : « وكيف تقدّم مثل هؤلاء ؟ » فقال « 5 » : « لست أجد غيرهم ولكن « 6 » أحلني على الفقيه اللؤلؤيّ « 7 » ، وأبي إبراهيم ، وأمثالهما « 8 » لأقدّمهم ، فان أبوا ، جبرتهم بالسجن والضرب « 9 » ، ثم لا تسمع إلا خيرا . وإلّا ، فدع الأمور تمضي كما هي ! فاللّه
لَبِالْمِرْصادِ
« 10 » .
وكان شيخنا القاضي أبو عبد اللّه بن عيّاش الخزرجيّ يستحسن من كلامه قوله في التزكية : اعلم أنّ العدالة من أشدّ الأشياء تفاوتا وتباينا ، ومتى حصلت ذلك عرفت حالة الشهود ؛ لأن بين عدالة أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعدالة التابعين - رضي اللّه عنهم - بون عظيم ، وتباين شديد ، وبين عدالة أهل زماننا ، وعدالة أولئك ، مثل ما بين السماء والأرض ! وعدالة أهل زماننا على ما هي عليه ، بعيدة التباين أيضا .
هامش
( 1 ) الهوجل : الذكر .
( 2 ) النص في مطمح الأنفس ( ص 45 ) ونفح الطيب ( ج 2 ص 19 ) .
( 3 ) في نفح الطيب : « لهم » .
( 4 ) في نفح الطيب : « فقال » .
( 5 ) في نفح الطيب : « قال » .
( 6 ) في الأصول : « ولاكن » .
( 7 ) هكذا في نفح الطيب . وفي المصدر نفسه ( ص 20 ) عاد وذكره باسم أبي إبراهيم اللؤلؤي .
( 8 ) في نفح الطيب : « ومثل هؤلاء » .
( 9 ) في نفح الطيب : « أجبرتهم بالسّوط والسجن » .
( 10 ) سورة الفجر 9 ، الآية : 14 . والآية بتمامها :إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ.